كرم ألكين - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

يشهد مركز ثقل الاقتصاد العالمي عملية انتقال جديدة. فقد حدد الفحم والصلب والطرق البحرية القوى الكبرى في القرن التاسع عشر، فيما حدد النفط ورأس المال والصناعة والتكنولوجيا القوى العظمى في القرن العشرين. ومع تقدم النظام الاقتصادي السياسي العالمي نحو عام 2050، تشير معادلة القوة بين الدول الرائدة في العالم إلى عملية أكثر شمولاً، ستجتمع فيها القدرة الإنتاجية والتكنولوجيا وأمن الطاقة والمعادن الحرجة والممرات اللوجستية والموارد البشرية والصناعات الدفاعية والأسواق الكبيرة وسلاسل التوريد في بوتقة واحدة.

ومن هنا بالضبط تبدأ قصة تركيا «2053». وأهم ميزة تمتلكها تركيا هي حيازتها، في الوقت نفسه، إمكانات وقدرات يغذي بعضها بعضاً. ومن المفيد أن نطلق على ذلك اسم قدرة «القوة المركبة». ويجب وضع الصناعة في المرتبة الأولى. فلدينا ثقافة إنتاجية واسعة تمتد من صناعة السيارات إلى الآلات، ومن الأجهزة المنزلية إلى الصناعات الكيميائية، ومن الصلب إلى الإلكترونيات، ومن النسيج إلى الصناعات الدفاعية والطيران. وقد تعلم العالم من جديد، مع الوباء وحرب أوكرانيا والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، أن براءات الاختراع قيمة، وأن التكنولوجيا استراتيجية؛ لكن المصنع هو القوة الحقيقية. فالدولة التي تحتفظ بقدرتها الإنتاجية تحافظ أيضاً على مكانتها على طاولة المفاوضات العالمية.

أما الإمكانية الكبرى الثانية فهي موقعنا إلى جانب أوروبا. فالشركات تقصر سلاسل التوريد وتقرّب الإنتاج من المستهلك. وكما تتحول المكسيك إلى قاعدة إنتاجية للولايات المتحدة، يمكن لتركيا أن تضطلع بدور حوض إنتاجي أكثر شمولاً بكثير بالنسبة إلى أوروبا. فضلاً عن أننا نستطيع الوصول من المصنع نفسه إلى البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقدرتنا الثالثة هي الخدمات اللوجستية. فالممر الأوسط وطريق التنمية والبحر الأسود والبحر المتوسط وبحر إيجه والمضائق والروابط مع أوروبا تجعل من تركيا إحدى العقد الطبيعية للتجارة بين القارات. ويتمثل هدفنا لعام 2053 في أن نصبح مركزاً تُنتج فيه السلع، وتُخزَّن، وتُموَّل، وتُؤمَّن، ثم تُوزع منه إلى العالم. أما القوة الكبرى الرابعة فهي صناعتنا الدفاعية الوطنية والمحلية. فالمنظومة التي تمتد من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ، ومن السفن الحربية إلى الحرب الإلكترونية، لم تعد مجرد مسألة أمنية فحسب. بل إنها مختبر تكنولوجي هائل قادر، من خلال البرمجيات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والبصريات والمواد المتقدمة والاتصالات وتقنيات المحركات، على الارتقاء بالصناعة المدنية أيضاً.

أما الإمكانية الخامسة فهي الطاقة. تقع تركيا بين مناطق إنتاج الطاقة ومراكز الاستهلاك الكبرى في أوروبا. ويعزز غاز البحر الأسود والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والقدرة النووية هذه الميزة. والمرحلة التالية هي تجاوز مجرد كوننا ممراً للطاقة، والتحول إلى منتج لتقنيات الطاقة ومعداتها. أما قوتنا السادسة فهي مواردنا البشرية وسوقنا الداخلية الكبيرة. ففي الوقت الذي تشيخ فيه أوروبا بسرعة، يشكل السكان في سن العمل في تركيا، وقدراتها الهندسية، وشبابها المبادر ميزة مهمة. وبقدر ما نربط هذه الفئة السكانية بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات والهندسة المتقدمة، ستتحول مزايانا الديموغرافية إلى قوة اقتصادية.

أما الإمكانية السابعة فهي ريادة الأعمال التكنولوجية. فقد رأينا أننا قادرون على إنشاء شركات عالمية في مجالات الألعاب والتكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والبرمجيات والتقنيات الدفاعية. وحان الوقت الآن لنقل هذا النجاح إلى الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتقنيات الطاقة وتصميم الرقائق والمواد المتقدمة. أما القوة الثامنة فهي الزراعة والغذاء. فالتغير المناخي وندرة المياه سيجعلان الأمن الغذائي بحلول عام 2053 جزءاً من الأمن القومي. ويمكن لتركيا، بفضل تنوع منتجاتها وصناعاتها الغذائية والحوض الاستهلاكي الضخم المحيط بها، أن تصبح أحد مراكز الأمن الغذائي الإقليمي.

أما قدرتنا التاسعة فهي صادرات الخدمات. إذ يمكن للسياحة والصحة والطيران والخدمات اللوجستية والهندسة والمقاولات والتعليم والخدمات الرقمية أن تتحول إلى المحرك الاقتصادي الثاني لتركيا. كما أن خبرة المقاولين الأتراك الممتدة من أفريقيا إلى آسيا الوسطى ستكون مضاعفاً مهماً للقوة في استثمارات البنية التحتية التي ستبلغ قيمتها تريليونات الدولارات بحلول عام 2053. أما الإمكانية العاشرة، وربما الأكثر استراتيجية، فهي قدرتنا على الوصول الدبلوماسي في الميدان وعلى طاولة المفاوضات. فتركيا واحدة من عدد قليل جداً من الدول القادرة في الوقت نفسه على الوصول إلى المجال الاقتصادي الأوروبي، والبنية الأمنية لحلف شمال الأطلسي، والعالم التركي، والبحر الأسود، والبحر المتوسط، والشرق الأوسط وأفريقيا. وسيزيد العالم متعدد الأقطاب من القيمة الاقتصادية لهذه الميزة.

إن حجم الهند، وموارد البرازيل، ومعادن إندونيسيا الحرجة، وقرب المكسيك من السوق الأمريكية، كلها مزايا بارزة. أما نموذج تركيا فيقوم على قدرة «القوة المركبة» التي تتشكل من الصناعة + التكنولوجيا + الدفاع + الطاقة + الخدمات اللوجستية + الموارد البشرية + الزراعة + الخدمات + ريادة الأعمال + الوصول الدبلوماسي. وكلما عمّقت تركيا، في طريقها نحو عام 2053، مناخاً استثمارياً يتمتع بقدرة عالية على الجذب، فإن التعليم النوعي والإنتاجية وعمق أسواق رأس المال والاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة ستكون روافعنا الأساسية لتحويل هذه الإمكانات إلى قوة حقيقية. ويتمثل هدف تركيا لعام 2053 في جمع جميع ما تمتلكه من إمكانات وقدرات ضمن استراتيجية وطنية واحدة، والتحول إلى إحدى الدول التي لا غنى عنها في الاقتصاد العالمي.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس