
نور أوزكان أرباي – يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
نفذت إسرائيل هذا الأسبوع هجمات متتالية على مطار أبو الظهور العسكري الواقع في منطقة قريبة جدًا من الحدود التركية. ويقع المطار على بُعد 75 كيلومترًا تقريبًا، خطًا جويًا، من معبر أونجو بينار الحدودي في كيليس، وعلى مسافة تقارب 145 كيلومترًا برًا من هاتاي. وإلى جانب ردود الفعل الأولى الصادرة من دمشق وأنقرة، أصدر السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى العراق وسوريا، توم باراك، بيانًا متزامنًا أيضًا. وقال إن الهجمات «لا تسهم في الاستقرار الإقليمي، وإنهم يشعرون بالقلق من أن تؤدي إلى تصعيد غير ضروري». وفي الساعات التي أدلى فيها باراك بهذا التصريح، كان يجتمع في إسطنبول مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. وكانت المباحثات تتناول رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا وتفاصيل إعادة إعمار البلاد وبنائها اقتصاديًا. وفي اليوم والساعات نفسيهما، كان ضيف بنيامين نتنياهو، الذي يصفه الكاتب بأنه مرتكب إبادة جماعية، هو جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره. وكان كوشنر قد توجه إلى إسرائيل قبل عودته إلى واشنطن، عقب اتصالات أجراها في مصر مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووفد من حركة حماس لبحث المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة.
إن اندماج الحكومة الجديدة في سوريا، بقيادة أحمد الشرع، سياسيًا واقتصاديًا في النظام الدولي في مرحلة ما بعد الأسد، وكذلك إلغاء قانون قيصر والعقوبات، هي من الإشارات الإيجابية التي أرسلتها إدارة ترامب منذ بداية ولايتها. كما يجري حل وإدماج الأذرع التي أنشأتها منظمة حزب العمال الكردستاني، والتي تمثل أكبر عقبة أمام سيادة سوريا الجديدة ووحدة أراضيها، بدعم من القيادة المركزية الأمريكية. ويعبر ترامب، الذي أخرج سوريا من قائمة «الدول الداعمة للإرهاب»، في كل فرصة عن رؤيته لإدارة الشرع باعتبارها ضمانة للاستقرار الإقليمي. ونتيجة لهذا المسار، انتهى في أبريل من هذا العام الوجود العسكري الأمريكي في الأراضي السورية، الذي استمر لما يقارب خمسة عشر عامًا.
وفي هذه المرحلة، هل ستخاطر واشنطن، التي كادت تعبر المحيط في سوريا، بالغرق مرة أخرى في جدول أو عند معبر مائي بسبب إسرائيل، التي يصفها الكاتب بأنها مرتكبة للإبادة الجماعية؟ ولا سيما أنها لم تحقق بعد مكسبًا ملموسًا في مواجهة خسائر الحرب في إيران، وتعيش بسبب ذلك توترًا متزايدًا يومًا بعد يوم مع حلفائها في المنطقة؟ ومن هذا المنطلق، فإن الهجوم الأخير على المطار ليس خطيرًا إلى درجة لا يمكن لأنقرة ودمشق فقط، بل لواشنطن أيضًا، أن تكتفي حياله بمجرد إدانة. فالجميع يدرك مدى اندفاع نتنياهو، الذي يتجه إلى الانتخابات في أكتوبر، والذي يصف الكاتب مسيرته السياسية بأنها وصلت إلى نهايتها. فضلًا عن ذلك، فقد نقل مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى إلى وكالة أكسيوس أن الهجمات الأخيرة على سوريا مرتبطة بالانتخابات في إسرائيل، وأن إسرائيل ترفض تطبيق آليات التنسيق التي أنشأتها الولايات المتحدة بشأن غزة وسوريا ولبنان. وقال ترامب في تصريح أدلى به خلال الأيام الأخيرة إنه يفضل البقاء خارج الانتخابات في إسرائيل، لكنه قد يدعم مرشحًا، من دون أن يذكر اسم نتنياهو هذه المرة. ويبدو أن ترامب يدير علاقاته المتوترة، التي تظهر علامات التوتر فيها بوضوح، حتى انتخاباته الخاصة في نوفمبر. إلا أن أمامه شخصية تجعله يخسر باستمرار، وتهاجم ما حولها في حالة من الهياج. فضلًا عن أن إسرائيل تنفذ هجومها على المطار السوري متذرعة بادعاءات عن تمركز وحدات تركية في قاعدة جوية قرب حلب. إنها إسرائيل فقدت عقلانيتها وبلغ بها الهياج حدًّا لا حدود له.
ورغم أن السفير الأمريكي باراك قال إن الحكمة هي التي انتصرت في مواجهة الهجمات، فمن الواضح أنه يدرك مدى حساسية المرحلة التي نمر بها. وكان بإمكان تركيا، وهي ترى في ذلك تهديدًا يتقدم نحوها، أن ترد على إسرائيل بصورة مشروعة تمامًا. بل إن لسوريا، في مواجهة احتلال إسرائيل المستمر منذ سنوات لمرتفعات الجولان وهجماتها، الحق في الدفاع المشروع عن نفسها والرد عليها بوصفها دولة ذات سيادة.
وقد وُجّهت أوضح الرسائل إلى إسرائيل الأسبوع الماضي، خلال زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى مصر، وفي المقابلة التي أجراها الرئيس رجب طيب أردوغان مع قناة الجزيرة. إن هذا الوضع القائم لإسرائيل، التي يصفها الكاتب بأنها المسؤول الأول عن الدماء والدموع في المنطقة، وفي مقدمتها غزة، لن يستمر أكثر من ذلك. ولن يُسمح بذلك. فتركيا تعد من أهم الضمانات لإنهاء الإبادة الجماعية في غزة، ولسيادة سوريا ووحدة أراضيها واستقرارها وأمنها. ونرى أن الولايات المتحدة متفقة أيضًا على ذلك. لكن لا بد ألا يبقى هذا الاتفاق مجرد كلام. وقد نُقل، خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس أردوغان مع الرئيس الأمريكي ترامب في هذه الأيام، أن تركيا ستواصل وساطتها في المجال الدبلوماسي من أجل إحلال السلام، وستواصل تحمل المسؤولية في القضايا المرتبطة بكل من غزة وإيران. فمن جهة توجد تركيا تسهم في إحلال السلام وتشكل ضمانة للأمن في المنطقة، ومن جهة أخرى توجد إسرائيل تستهدفها في كل فرصة.
إن الضرر الذي تسببت فيه هذه السياسة الإسرائيلية الجامحة والسامة والمرضية للبشرية جمعاء، والمكان الذي أوصلت العالم إليه، أمر واضح. وقبل كل شيء، يتعين على واشنطن أن تنشئ من أجل ذلك آلية لإصلاح إسرائيل. إذ إن إنشاء مركز تنسيق، كما اقترح باراك، لمنع «الهجمات المحتملة» لإسرائيل، ليس جوابًا كافيًا ولا واقعيًا في مواجهة عنصر تهديد يمتلك هذه الحالة المرضية.
وخلال كل هذه العملية، يتضح مرة أخرى مدى أهمية وتوقيت مسار «تركيا خالية من الإرهاب، ومنطقة خالية من الإرهاب». فالمسار ينضج، ويستمر التفاؤل الهادئ والمتزن. وتتطلب المرحلة المقبلة اتخاذ خطوات أكثر ردعًا في مواجهة أكبر رعاة الإرهاب والفوضى في المنطقة، من أجل ضمان استدامة هذا المسار. وكل من يريد السلام والاستقرار في المنطقة، عليه أن يتخذ خطوات أكثر واقعية وملموسة من أجل ذلك.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













