ترك برس

بينما ينشغل العالم بأزمة مضيق هرمز، ويتابع أسعار النفط وأقساط التأمين وطوابير الناقلات، يرى الكاتب التركي مليح ألتينوك أن أزمة أخرى تتشكل بهدوء في البحر الأسود، حيث تتعرض حركة الملاحة التجارية لمخاطر متزايدة تجعل البحر، وفق تعبيره، أقرب إلى جبهة حرب منه إلى طريق للتجارة.

وفي مقال بصحيفة "صباح"، يقول ألتينوك إن الفرق بين المشهدين لا يكمن في حجم التداعيات بقدر ما يرتبط بدرجة الضجيج الإعلامي المصاحب لهما. ففي البحر الأسود لا توجد عناوين كبرى عن "أزمة الطاقة"، ولا مؤتمرات قمة أو مشاهد متواصلة لناقلات النفط، لكن هناك، بحسب الكاتب، "حصارا فعليا" يتجسد في عدم قدرة بعض السفن على الإبحار، أو تعرضها للاستهداف، ثم اضطرار السفن المتضررة إلى سحبها عبر المضائق التركية.

ويحذر من أن هذا الوضع قد يخرج من دائرة الاهتمام المحدود مع اقتراب فصل الشتاء، عندما تصبح إمدادات الحبوب والفحم وأسعار الطاقة أكثر حساسية بالنسبة إلى الأسواق والمستهلكين.

البحر الأسود يتحول إلى جبهة

يرى ألتينوك أن التعامل مع استهداف سفينة في البحر الأسود غالبا ما يبدأ بالحديث عن الحريق الذي اندلع فيها، ثم عن القاطرة التي تولت سحبها، ثم عن إغلاق مضيق البوسفور لبضع ساعات، بينما تكمن القضية الأهم في مكان آخر، وتحديدا في حمولة السفينة وتأثير اضطراب وصولها إلى الأسواق.

ويصف الحبوب والفحم بأنهما "الفاتورتان الأكثر هدوءا للحرب"، إذ تُدفع كلفة تعطلهما في البحر، قبل أن تظهر آثارها في البر من خلال ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات.

ويستند الكاتب إلى تقرير لاتحاد مالكي السفن الأتراك في 26 أغسطس/ آب، أفاد بتعرض 146 سفينة تجارية للاستهداف في البحر الأسود منذ عام 2022، مشيرا في الوقت نفسه إلى وجود تقديرات متداولة في المصادر المفتوحة ترفع العدد إلى 263 سفينة.

ويقر ألتينوك بوجود خلاف حول الأرقام، لكنه يؤكد أن النتيجة، في رأيه، ليست موضع خلاف: البحر لم يعد مجرد طريق للملاحة، بل تحول إلى جبهة.

الحرب تمتد من البحر إلى الجو

ولا تقتصر تداعيات الحرب، بحسب الكاتب، على الملاحة البحرية، إذ يشير إلى انتقال المواجهة إلى المجال الجوي أيضا.

ويلفت إلى إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن المجال الجوي الروسي أصبح مغلقا فعليا أمام الطائرات المسيرة، فضلا عن تحرك وزارة الخارجية الأوكرانية لدى منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو"، وتحذير شركات الطيران وشركات التأمين من المخاطر.

وفي حين تنظر دول غربية إلى هذه التحركات باعتبارها جزءا من "الدفاع المشروع عن النفس"، يرى ألتينوك أن النظر إلى المشهد من البحر الأسود يكشف صورة مختلفة، تتمثل في امتداد الحرب إلى المياه والموانئ والمضائق المجاورة.

ويعتقد أن الأهداف لم تعد تقتصر على موسكو، وإنما باتت تشمل خطوط التجارة نفسها. ويرى أن قرار بعض شركات الطيران تعليق رحلاتها إلى روسيا يمثل أحد الانعكاسات الأولى لهذا الوضع، إذ إن تراجع الحركة الجوية يدفع مزيدا من الأعباء إلى النقل البحري، بينما يؤدي ارتفاع مخاطر الملاحة البحرية إلى تراكم الشحنات في منطقة المضائق وبحر مرمرة وبحر إيجه.

الحبوب.. الفاتورة التي تصل إلى إفريقيا

يشير الكاتب إلى أن أوروبا، بوصفها أحد الأطراف الرئيسية القادرة على توفير الحبوب، تمتلك بدائل برية لنقل منتجاتها عبر نهر الدانوب والسكك الحديدية.

لكن وضع الدول التي تعتمد بدرجة أكبر على النقل البحري مختلف، خصوصا في إفريقيا، حيث يمكن أن تصل آثار اضطراب الملاحة في البحر الأسود مباشرة إلى الموانئ التي تنتظر الإمدادات الغذائية.

ويضرب ألتينوك مثالا لافتا على ذلك بالقول إن الشاحنة المحملة بالدقيق قد تصل إلى هامبورغ بينما يكون الحديث عن الأسعار في لاغوس، في إشارة إلى تفاوت تأثير الأزمة بين الاقتصادات الغنية والفقيرة.

ويخلص إلى أن الخبز يبقى حاضرا على موائد الأغنياء، لكنه يصبح أقل وفرة وأعلى كلفة على موائد الفقراء عندما تضطرب طرق التجارة والإمدادات.

تركيا تدفع فاتورتين

ويرى ألتينوك أن تركيا تجد نفسها في قلب هذه المعادلة، إذ تتحمل، بحسب تحليله، فاتورتين في الوقت نفسه: ارتفاع كلفة الواردات، والمخاطر الناجمة عن نقل بضائع الآخرين عبر مياهها ومضائقها.

ويشير إلى أن استهداف شحنة من الفحم كانت متجهة من تامان إلى طرابزون وسامسون قبالة نوفوروسيسك لا يغير حسابات السلامة البشرية فحسب، بل يؤثر أيضا في حسابات الشتاء والطاقة.

ويستحضر الكاتب حادثة السفينة "ريحان صاري" بوصفها مثالا على ارتفاع كلفة المخاطر، مشيرا إلى أن قسط التأمين اقترب من 1 بالمئة من قيمة السفينة.

ويقول إنه إذا بلغت أجرة نقل سفينة صغيرة نحو 350 ألف دولار، فقد يقترب قسط التأمين من 200 ألف دولار، ما يعني أن الأموال لا تذهب إلى عملية النقل نفسها بقدر ما تذهب إلى تغطية المخاطر المرتبطة بها.

الشتاء يقترب.. والقلق يتصاعد

يحذر الكاتب من أن أسعار الفحم مرشحة للارتفاع قبل حلول الشتاء، في وقت لم تبدأ فيه تركيا، من وجهة نظره، في مناقشة هذه الصورة بكامل أبعادها.

فالنقاش العام يركز غالبا على حوادث السفن في بحر مرمرة، مثل التصادم والغرق وفقدان أفراد الطواقم، بينما يبقى العامل الأكبر، بحسب ألتينوك، هو انعدام الأمن في البحر الأسود وتأثيره المتسلسل على مرمرة وبحر إيجه.

ويشير إلى أن السفن التي لا تستطيع الخروج إلى البحر الأسود تتراكم في المضائق، فيما تُسحب السفن المتضررة بصورة متكررة عبر مضيق إسطنبول.

ويذكر من بين السفن التي شهدت عمليات سحب أو ارتبطت بهذه الحركة أسماء مثل "New Victory" و"Anna-S" و"Asteri" و"Great Ocean"، مشيرا إلى أن مرور قوافل القاطرات قد يؤدي إلى وقف حركة الملاحة في الاتجاهين.

وهكذا، تصبح إسطنبول، بحسب وصف الكاتب، في يوم واحد مدينة كبرى وفي الوقت نفسه "الفناء الخلفي للحرب".

ضغط متزايد على الملاحة والأسواق

ويرى ألتينوك أن زيادة كثافة حركة السفن ترفع بدورها احتمالات وقوع الحوادث، مشيرا إلى انتظار عشرات السفن قبالة سامسون وسينوب.

وخلف هذه السفن، وفق الكاتب، تقف عائلات البحارة في انتظار الأخبار، بينما ينتظر التجار وصول سندات الشحن واستكمال حركة البضائع.

ويعتبر أن هذا الجانب الإنساني والتجاري من الأزمة لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أزمات الطاقة الكبرى، لأن لغة النفط مفهومة عالميا وسريعة التأثير في الأسواق، بينما تصل تداعيات الحبوب والفحم إلى المشهد العام بصورة أبطأ.

هرمز صاخب.. والبحر الأسود صامت

ويختتم ألتينوك مقاله بمقارنة بين مضيق هرمز والبحر الأسود، معتبرا أن هرمز يحظى بالاهتمام العالمي لأن النفط يتحدث بلغة يفهمها الجميع، بينما يبقى البحر الأسود أكثر هدوءا لأن الحبوب والفحم لا يدخلان إلى الاستوديوهات الإخبارية بالسرعة نفسها.

لكن اقتراب الشتاء، بحسب الكاتب، سيضع هذه السلع في صدارة الاهتمام، عندما تبدأ آثار اضطراب الملاحة بالظهور بصورة أوضح في أسعار الطاقة والغذاء.

ويحذر ألتينوك من أن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة عودة تكاليف النقل والتأمين إلى مستوياتها السابقة فورا، إذ إن الثقة تعود بوتيرة أبطأ من توقف القتال.

فقد تعود السفن إلى الإبحار، وتستأنف البضائع تدفقها، لكن آثار الحرائق والانتظار وإغلاق طرق الملاحة ستظل حاضرة في كلفة التجارة.

وبعبارة الكاتب، قد لا ترى موائد الطعام هذه الكلفة مباشرة، لكن الأسعار تراها وتدفع ثمنها.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!