
ترك برس
أعادت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب "PISA 2025" إلى واجهة النقاش في تركيا ملف التعليم ومستوى الطلاب، لكنها فتحت في الوقت نفسه بابًا جديدًا للجدل حول طريقة قراءة هذه النتائج وتوظيفها سياسيًا.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب التركي نبي ميش، في مقال نشرته صحيفة صباح، أن بعض الأوساط المعارضة في تركيا اعتادت النظر إلى مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية، بما فيها التعليم والشباب، من خلال ما وصفه بـ"النظارة السياسية"، معتبرًا أن هذا المنهج يدفع أحيانًا إلى تجاهل الوقائع أو التقليل من شأنها إذا كان الاعتراف بها قد يُفسر على أنه نجاح للحكومة.
ويعتبر ميش أن نتائج "PISA 2025" تقدم مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية، إذ يرى أن الجهات التي استخدمت نتائج البرنامج الدولية في السابق لانتقاد سياسات التعليم في تركيا تجد صعوبة اليوم، بحسب رأيه، في التعامل مع التحسن الذي أظهرته النتائج الأخيرة.
تحسن في المؤشرات التعليمية
ويشير الكاتب إلى أن برنامج "PISA" ليس تقريرًا تعده الحكومة التركية أو مؤسسة وطنية، بل هو برنامج دولي تشرف عليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD"، ويقيس قدرات الطلاب في سن الخامسة عشرة على استخدام المعرفة وحل المشكلات وفهم المقروء والمهارات العلمية.
وبحسب ما أورده ميش، شارك في آخر تطبيق للبرنامج أكثر من 760 ألف طالب من 91 دولة، فيما شملت المشاركة التركية 7 آلاف و702 طالب من 203 مدارس موزعة على 56 ولاية.
ويركز الكاتب على ما يعتبره تحسنًا متواصلًا في أداء تركيا منذ عام 2015، موضحًا أن البلاد تجاوزت للمرة الأولى متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مجالي العلوم والقراءة، فيما وصلت في الرياضيات إلى متوسط المنظمة البالغ 463 نقطة.
وينقل ميش عن مدير التعليم والمهارات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أندرياس شلايشر وصفه أداء تركيا بأنه "قصة نجاح ينبغي للعالم كله أن يدرسها عن كثب".
بين الانتقاد السابق والاعتراف بالنجاح
ويرى الكاتب أن نتائج "PISA" كانت لسنوات طويلة مادة أساسية لانتقاد النظام التعليمي في تركيا، مؤكدًا أن انتقاد السياسات التعليمية ومناقشة أوجه القصور أمر مشروع وضروري.
لكنه يعتقد أن المشكلة لم تكن في الانتقاد ذاته، وإنما في إخضاع ملف التعليم، وفق رؤيته، للاعتبارات السياسية بصورة دائمة، بحيث أصبح السؤال لدى بعض الأوساط ليس ما الذي يحدث فعلًا في المدارس أو ما هي أسباب النجاح والإخفاق، بل ما إذا كانت قراءة معينة للنتائج ستفيد الحكومة سياسيًا.
ويضيف ميش أن بعض صناع الرأي في وسائل الإعلام وشبكات التواصل يعيشون، بحسب تعبيره، داخل "غرف صدى"، تجعلهم أكثر ميلًا إلى الاعتقاد بأن رؤيتهم السياسية تمثل الواقع الاجتماعي العام، وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى ضعف الصلة بالوقائع.
استثمارات التعليم تحتاج إلى وقت
ويربط الكاتب التحسن الأخير، من وجهة نظره، بسلسلة من السياسات والاستثمارات التي شهدها قطاع التعليم خلال السنوات الماضية، من بينها زيادة الموارد المخصصة للتعليم وتحديث البنية التحتية وإدخال التكنولوجيا، إلى جانب تحسين أعداد المعلمين ونسب الطلاب إلى المعلمين.
كما يشير إلى تحديثات المناهج، ومنها "نموذج المعارف التركي"، معتبرًا أن السياسات التعليمية تحتاج بطبيعتها إلى وقت طويل قبل ظهور نتائجها.
ويرى ميش أن بعض النقاد لم يلتفتوا في السابق بما يكفي إلى الأسباب التي حالت دون ظهور نتائج أفضل رغم زيادة الاستثمارات، في حين يرفضون اليوم، بحسب رأيه، ربط التحسن بالسياسات التي نُفذت على مدى سنوات.
ويؤكد أن نجاح السياسات في قطاعات مثل التعليم لا يمكن تقييمه من خلال نتائج فورية، إذ إن أثر تحديث المناهج وتأهيل المعلمين وتطوير البنية التحتية يتطلب فترة زمنية قبل أن ينعكس على أداء الطلاب.
انتقاد لمحاولات التقليل من النتائج
وينتقد الكاتب ما يعتبره محاولات لتقليل أهمية النتائج الجديدة، سواء من خلال إرجاع تحسن موقع تركيا إلى انخفاض متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو من خلال التشكيك في دلالات العينة أو محدودية ما يمكن أن يقيسه برنامج "PISA".
ويقول إن التحسن التركي، وفق قراءته، لا يقتصر على تحسن الموقع النسبي بين الدول، بل يشمل ارتفاعًا ملموسًا في النقاط في المجالات الثلاثة، معتبرًا أن هذا المسار استمر منذ عام 2015 رغم التحديات التي واجهتها البلاد، ومنها جائحة كورونا والزلزال المدمر.
وفي المقابل، يشدد ميش على أن نتائج "PISA" يجب ألا تتحول بدورها إلى المقياس الوحيد للحكم على النظام التعليمي، موضحًا أن النتائج تمثل مؤشرًا مهمًا لا يجوز تجاهله أو التقليل من شأنه، لكنها لا تستطيع بمفردها تقديم صورة كاملة عن جميع جوانب التعليم.
ويرى أن المنطق نفسه ينبغي أن يطبق على الإخفاق والنجاح؛ فكما أن تراجع نتائج "PISA" في مرحلة ما لا يعني بالضرورة فشل النموذج التعليمي بأكمله، فإن التحسن الحالي لا يعني أن جميع المشكلات في قطاع التعليم قد حُلت.
دعوة إلى تجاوز "النظارة السياسية"
ويخلص الكاتب التركي إلى أن جوهر المشكلة، من وجهة نظره، يتمثل في إخضاع الحقائق الاجتماعية والسياسات العامة للرغبات والمواقف السياسية المسبقة.
ويحذر من أن استمرار النظر إلى ملفات التعليم والاقتصاد والشباب وغيرها انطلاقًا من سؤال "هل سيصب ذلك في مصلحة الحكومة أم المعارضة؟" يمكن أن يؤدي إلى ما يسميه "العمى السياسي والاجتماعي".
وبحسب ميش، فإن الاعتراف بالنجاح لا يعني التخلي عن النقد، كما أن الاعتراف بالإخفاق لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية، داعيًا إلى قراءة أكثر موضوعية للوقائع والاستفادة من النجاحات لمعالجة أوجه القصور وتحسين السياسات.
ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن فقدان الصلة بين المواقف السياسية والواقع الاجتماعي يمثل خطرًا أكبر من مجرد الخلاف حول نتائج اختبار دولي، معتبرًا، في عبارة ساخرة، أن هذا النوع من "العمى السياسي والاجتماعي" أمر لا يمكن حتى لبرنامج "PISA" قياسه.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










