
ترك برس
رغم أن سقوط الأنظمة الشمولية الكبرى وانتهاء الحرب الباردة رُوّج لهما طويلًا بوصفهما انتصارًا نهائيًا للحرية والديمقراطية، يرى الكاتب والأكاديمي التركي سليمان سيفي أوغون أن هذه القراءة تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا، تتمثل في أن الشمولية لم تختف من حياة المجتمعات الحديثة، وإنما غيّرت أدواتها ومجالات عملها.
وفي مقال نشرته صحيفة "يني شفق" بعنوان "استعراض الشموليات"، يستعرض أوغون تطور مفهوم الشمولية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، محذرًا من أن العالم يقف اليوم أمام مرحلة جديدة قد تتجسد في ما يسميه "الشمولية التكنولوجية".
ويرى الكاتب أن فهم هذا التحول يبدأ بالتمييز بين السلطوية والشمولية، موضحًا أن الأنظمة السلطوية تلجأ عادة بصورة مباشرة ومتكررة إلى العنف من أجل الحفاظ على بقائها، خصوصًا عندما تواجه أزمة في الشرعية.
أما الأنظمة الشمولية، بحسب أوغون، فلا تعتمد بالضرورة على العنف المباشر في كل مراحلها، بل تستخدم بصورة أكبر أدوات الضغط النفسي والخوف والرقابة، معتمدًا في ذلك على خلق حالة من الغموض وعدم اليقين لدى الأفراد.
الخوف من المجهول
ويشرح الكاتب أن أحد أهم مصادر قوة النظام الشمولي هو إقناع الأفراد بأن السلطة موجودة في كل مكان وقادرة على مراقبتهم حتى في أكثر لحظاتهم خصوصية، مستحضرًا في هذا السياق فكرة "البانوبتيكون" التي طورها الفيلسوف البريطاني جيريمي بنثام.
لكن الخوف، من وجهة نظره، لا يتوقف عند الشعور بالمراقبة، بل يتعزز عندما لا يعرف الفرد ما الذي يمكن أن يحدث له إذا خالف السلطة أو تجاوز حدودها.
ويشير أوغون إلى أن الغموض قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من العنف المعلن، إذ إن تداول قصص عن أشخاص "اختفوا" أو تعرضوا لمصير مجهول يمكن أن يدفع الناس إلى بناء مخاوفهم بأنفسهم.
وبحسب الكاتب، يتحول الفرد في هذه المرحلة من متلق للخوف إلى منتج له، إذ تبدأ المخاوف بالتوسع داخل المجتمع من خلال الشائعات والتوقعات والتصورات، بما يمنح النظام الشمولي قدرة أكبر على الاستمرار.
ويربط أوغون هذه الحالة بمفهوم الهيمنة لدى المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، حيث لا تستند السلطة إلى القمع وحده، بل تستطيع أيضًا إنتاج شكل من أشكال القبول أو الرضا، مشيرًا إلى أن الخوف من المجهول قد يدفع الجماهير أحيانًا إلى البحث عن الحماية من السلطة نفسها التي تخشاها.
الشمولية ليست حكرًا على معسكر واحد
ويتوقف الكاتب عند التجارب السياسية الكبرى في القرن العشرين، مشيرًا إلى أن الفاشية والنازية والفالانجية والستالينية شكلت أبرز صور الشمولية السياسية.
لكنه ينتقد بعض القراءات الليبرالية الغربية التي اختزلت الشمولية، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، في التجربة الشيوعية أو في معسكر الشرق، معتبرًا أن هذه المقاربة ساهمت في تقديم الغرب بوصفه معسكر الحرية الذي تجاوز الشمولية.
ويرى أوغون أن الواقع التاريخي كان أكثر تعقيدًا، إذ استمرت، بحسب رأيه، أشكال من الرقابة والمراقبة والتدخل في حياة الأفراد حتى داخل المجتمعات الغربية التي كانت تقدم نفسها باعتبارها نموذجًا للحرية.
ويستشهد الكاتب برواية الأديب الألماني هاينريش بول "شرف كاتارينا بلوم الضائع" التي سلطت الضوء، بحسب قراءته، على أشكال الضغط التي يمكن أن يتعرض لها الأفراد داخل مجتمع يوصف بالحر.
كما يشير إلى ما يراه تناقضًا في السياسات الغربية، حيث دعمت قوى غربية أنظمة سلطوية في مناطق مختلفة من العالم تحت ذرائع سياسية وأمنية، ومن أبرز الأمثلة التي يوردها الانقلاب العسكري بقيادة أوغستو بينوشيه في تشيلي.
من الشمولية السياسية إلى الاقتصادية
ويرى أوغون أن سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي لم يؤديا إلى نهاية الشمولية، رغم الاحتفاء الواسع آنذاك بما اعتبر انتصارًا للحريات السياسية والنموذج الليبرالي.
فالشمولية، بحسب رأيه، فقدت شكلها السياسي التقليدي، لكنها وجدت مجالًا جديدًا لإعادة إنتاج نفسها في الاقتصاد.
ويشير الكاتب إلى أن ما قدم تحت عناوين "الحرية الاقتصادية" و"العقلانية الاقتصادية" بدا في ظاهره تحريرًا للأفراد من القيود، وإتاحة الفرصة أمام الجميع للمبادرة والمنافسة وتحقيق النجاح.
لكن هذه الرؤية، وفق أوغون، حملت في داخلها منطقًا مختلفًا، إذ لم يعد الفرد يُنظر إليه بوصفه عاملًا ضمن طبقة اجتماعية، بل باعتباره مشروعًا اقتصاديًا مستقلًا ينبغي أن يشعر بأنه "رب عمل نفسه".
عالم يتحول إلى "كازينو"
ويعتبر الكاتب أن الخطاب الاقتصادي الجديد استبدل الوعود الجماعية بالنجاح الفردي والثروة الشخصية، وحث الأفراد على تحمل المخاطر ومغادرة ما وصفه بـ"أوهام السياسة" لخوض المنافسة الاقتصادية.
لكن أوغون يرى أن هذه العملية حولت الحياة الاقتصادية تدريجيًا إلى ما يشبه المقامرة، حيث أصبح العالم، وفق تعبيره، أشبه بـ"لاس فيغاس ضخمة".
ويضيف أن الخطاب الاقتصادي شجع الأفراد على الاعتقاد بأن كل واحد منهم قادر على الفوز، بينما تجاهل حقيقة أن الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية تميل، بحسب رؤيته، إلى الاحتكار والتمركز.
ويستخدم الكاتب تشبيه الكازينو لتفسير هذه الفكرة، معتبرًا أن اللاعبين قد يحقق بعضهم مكاسب مؤقتة، لكن الطرف الذي يضمن الربح في النهاية هو "صاحب الكازينو"، أي القوى والاحتكارات الكبرى.
ومن هنا، يرى أوغون أن الشمولية الاقتصادية تختلف عن نظيرتها السياسية في طريقة عملها؛ فبينما تبدأ الشمولية السياسية بالخوف من العقاب، تبدأ الشمولية الاقتصادية بوعد النجاح والثراء.
النجاح الفردي بوصفه أداة ضغط
لكن الكاتب يرى أن الوعد الاقتصادي بالنجاح الفردي لا يلغي الخوف، بل يؤجله ويعيد إنتاجه في مرحلة لاحقة.
فمع تحول الجميع إلى منافسين في سوق مفتوحة، تتراجع الثقة المتبادلة، ويصبح الآخر منافسًا أو تهديدًا، فيما يتحمل الفرد وحده مسؤولية نجاحه وفشله.
ويعتبر أوغون أن هذه البيئة أنتجت أشكالًا جديدة من العزلة النفسية والضغط، خصوصًا في عالم العمل الحديث، حيث لم تعد السيطرة تمارس دائمًا عبر الدولة أو الأجهزة الأمنية، بل من خلال شروط العمل والمنافسة وعدم الاستقرار.
وفي هذا الإطار، يضع الكاتب ظاهرة "الموبينغ"، أو التنمر والضغط النفسي في بيئة العمل، في قلب ما يسميه "الشمولية الاقتصادية"، معتبرًا أن الغموض والخوف من فقدان العمل وعدم اليقين بشأن المستقبل باتت أدوات ضغط مستمرة على الأفراد.
نحو "الشمولية التكنولوجية"
ويخلص أوغون إلى أن التاريخ الحديث يمكن قراءته، من وجهة نظره، باعتباره تاريخًا لتحول الشمولية وتنوع أشكالها.
فالشمولية السياسية، التي اعتمدت على الرقابة والخوف والعنف، أعقبتها شمولية اقتصادية اعتمدت على المنافسة ووعد النجاح الفردي، لكنها انتهت بدورها إلى إنتاج العزلة والخوف والضغط النفسي.
ويرى الكاتب أن هذا النموذج الاقتصادي بدأ بدوره في التآكل، ليظهر في الأفق شكل جديد من السيطرة يمكن تسميته بـ"الشمولية التكنولوجية".
وبينما لا يتوسع أوغون في شرح ملامح هذا النموذج الجديد، فإنه يطرح تساؤلًا حول مستقبل المجتمعات في عصر التكنولوجيا والرقابة والاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية، معتبرًا أن الشمولية لم تكن مجرد مرحلة تاريخية انتهت، بل ظاهرة قادرة على تغيير أقنعتها والانتقال من مجال إلى آخر.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











