إحسان أقطاش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قد يبدو إطلاق هذه العبارة أمراً يصعب فهمه عندما يتعلق الأمر بدولة مستقلة وكبرى. لكن أزمة الأمن التي تجد المملكة العربية السعودية نفسها فيها اليوم تستدعي تقييمات بالغة الأهمية.

عندما انتهت الحرب العالمية الأولى، كان البريطانيون قد احتلوا منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1932، ظلت علاقاتها مع بريطانيا والولايات المتحدة، اللتين تولتا لفترة طويلة رسم ملامح النظام في المنطقة، متشابكة ومترابطة إلى حد كبير، كالعظم واللحم.

بعد الحرب العربية الإسرائيلية، أحدث الحظر النفطي هزة كبيرة في الاقتصاد العالمي، نظراً إلى الحصة الكبيرة التي كانت السعودية تستحوذ عليها من إنتاج النفط في العالم. لكن مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بدأت ثروات هائلة تتراكم في المملكة العربية السعودية.

دفع الملك عبد العزيز ثمن الحظر النفطي من حياته.

وعقب الحظر، ارتبطت تجارة النفط عالمياً بالدولار، وأُنشئ نظام البترودولار. ولم يعد بيع النفط بأي عملة أخرى غير الدولار أمراً متاحاً.

بدأت الثروة المتراكمة في السعودية تتحول إلى مصدر قلق بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي تلك الفترة، كانت هناك دولة أخرى ازدادت ثراءً بقدر ما ازدادت السعودية ثراءً، وهي إيران.

أما دول الخليج الحالية، فلم تكن قد بلغت بعد هذا المستوى من الثراء. وكانت السعودية وإيران والعراق والكويت دولاً اغتنت بفضل النفط.

الثورة الإيرانية

بعد الثورة الإيرانية والحرب التي خاضتها إيران مع العراق على مدى عشر سنوات، كان لا بد من استنزاف رأس المال المتراكم في إيران.

وخلال الحرب الإيرانية العراقية، بلغ المبلغ الذي دفعته السعودية إلى الولايات المتحدة والدول الغربية لصالح العراق ما يعادل 600 مليار دولار بقيمة اليوم.

العراق

أنفق العراق خلال تلك الفترة كامل ثروته المتاحة على الحرب مع إيران، ولم يتبقَّ لديه شيء يُذكر من الثروة.

ولم تكن الحرب بين الدولتين، ولا الثروة التي بلغت 900 مليار دولار لدى السعودية ودول الخليج، كافية لحل مشكلة انهيار الاقتصادين الإيراني والعراقي.

وفي الوقت نفسه، بقيت في حوزة صدام ترسانة أسلحة ضخمة للغاية. وكان التعبير المستخدم آنذاك لوصف العراق هو: «لقد تحولت دولة بأكملها إلى مستودع للأسلحة».

وبدأت الأسلحة التي يمتلكها العراق تُعدّ تهديداً لإسرائيل. كما كان العراق قد بدأ في تلك الفترة العمل على برامج نووية.

دبرت الولايات المتحدة لعبة كبيرة، دفعت من خلالها العراق إلى احتلال الكويت. وفي الوقت نفسه، بثّت مخاوف من أن صدام سيقدم على احتلال السعودية.

وفي فترة كانت فيها المحاكاة الحاسوبية نادرة إلى حد يكاد يجعلها معدومة، اقتنع الملك عبد الله، الذي كان مساعداً للملك فهد، بخوض الحرب نتيجة لهذه التطورات.

وعندما بدأت حرب الخليج الأولى وانتهت، وُضعت عائدات النفط العراقية والكويتية لخمسين عاماً تحت الرهن.

وعقب انتهاء حرب الخليج الثانية، جرى تقويض قدرات الدولة العراقية. ولم يتمكن العراق حتى الآن من استعادة عافيته، وإن كان قد بدأ يتعافى تدريجياً في الآونة الأخيرة.

وعندما اندلعت الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، وجدت دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، نفسها أمام أزمة أمنية جديدة.

وجعلت إيران جميع القواعد الأمريكية في الخليج غير صالحة للاستخدام بفضل تقنيات الصواريخ التي طورتها.

وفي هذه الفترة، هاجمت إسرائيل المجمع القَصْري في قطر.

وتحول هذا الوضع إلى أزمة عميقة للغاية فيما يتعلق بمستقبل الخليج.

معاهدة الدفاع عن مكة والحرب في اليمن

طُرحت معاهدة الدفاع عن مكة في هذه الفترة تحديداً.

أظهرت إسرائيل أنها تشكل تهديداً لجميع دول المنطقة، وهي تعلن هذا التهديد صراحةً ولا ترى حاجة إلى إخفائه.

وبعد توقيع اتفاق مكة مباشرة، جعلت إيران، التي تحتفظ بالسيطرة على مضيق هرمز، وإن كان ذلك بصورة تنطوي على إشكالات، مضيق باب المندب قابلاً للسيطرة عليه عبر الحوثيين، في مواجهة تعمّق الحصار المفروض عليها.

وبدأ الحوثيون، من دون أي مبرر، بشن هجمات متتالية على السعودية.

كما زادت السعودية دعمها للحكومة الشرعية في اليمن.

والولايات المتحدة، التي لم تتمكن من حماية السعودية، تريد أيضاً معاقبة المملكة عبر استهداف أمنها، بسبب موقف القيادة السعودية من إسرائيل.

في ظل هذه الظروف، تواجه السعودية حرب استقلال عميقة الجذور.

وإذا عززت الدول الثلاث ذات المؤسسات الراسخة، التي تشكل تحالف مكة، هذا الاستقلال، فإن موازين القوى في الشرق الأوسط ستتغير من جذورها.

إن عدد سكان السعودية والمعدات العسكرية التي تمتلكها يوفران أرضية مناسبة لتحقيق ذلك. ويمكن تطوير قدرات الدولة، وتعميق التخصص في المجالات المتقدمة، واعتماد نموذج أمني جديد، أن يتيح للمملكة الخروج من هذا الاختبار الصعب وهي أكثر قوة.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس