رسول طوسون - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

مرّت ثلاث سنوات على طوفان الأقصى.

نرى تساؤلات تُطرح بالنظر إلى الخسائر التي قُدّمت، من قبيل: «هل كان الأمر يستحق ذلك؟».

بل نصادف أيضًا تعليقات توحي بأن «طوفان الأقصى كان مخططًا إسرائيليًا إيرانيًا».

وأود أن أوضح منذ البداية أن طوفان الأقصى هو عملية خروج عن المألوف نفذتها حركة حماس.

ليس معنى ذلك أن حماس لا يجوز انتقادها، لكن ليس من الصواب أيضًا إطلاق الأحكام من دون احتساب ما عانته طوال 75 عامًا.

وأنا شخصيًا أعتقد أن حماس ما كانت لتوافق على تنفيذ عملية الخروج عن المألوف هذه لو كانت تتوقع أن تكون النتيجة على هذا النحو.

ولا يمكن أن يكون الأمر مخططًا إسرائيليًا، لأن إسرائيل هي الطرف الذي تضرر أكثر من غيره جراء هذه العملية.

وذلك لأن:

قبل طوفان الأقصى، كانت إسرائيل تحظى بمكانة مرموقة في العالم، أما اليوم، فقد بدأت حتى الدول التي تدعمها تنأى بنفسها عنها.

وأصبحت إسرائيل معزولة داخل المجتمعات التي كانت تؤيدها.

وصدر حكم بإدانة رئيس وزرائها بارتكاب جرائم حرب، فلم يعد قادرًا على التنقل بحرية في أنحاء العالم!

بل إنه لم يعد قادرًا حتى على الهبوط في مطار نيويورك بالولايات المتحدة، شريكتها في الجريمة، التي تقدم لها أكبر قدر من الدعم.

وفرّ جزء من السكان اليهود المحيطين بقطاع غزة إلى خارج البلاد، فيما انتقل جزء آخر إلى مناطق أخرى داخلها.

ولم تعد إسرائيل دولة آمنة، فقد تعرض نظامها الأمني لثغرات وضربات هائلة.

أما الأضرار التي لحقت باقتصادها، فلا حصر لها.

بل إن بعض الدول الأوروبية بدأت اتخاذ قرارات وتطبيق إجراءات يمكن اعتبارها بمثابة مقاطعة اقتصادية لإسرائيل.

فهل يمكن أن تكون إسرائيل قد دبّرت بنفسها عملية تسببت في كل هذه الأضرار الهائلة؟

كما كتبت سابقًا، أرى حماس تنظيم مقاومة فلسطينيًا شرعيًا يقاوم الاحتلال، وأرى أن أفعالها هي أعمال مقاومة وليست أعمالًا إرهابية.

وطوفان الأقصى ليس بداية للمقاومة، بل هو تجلٍّ مختلف للمقاومة المستمرة منذ عام 1948.

تذكروا أن إسرائيل كانت تطلق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين مقابل تسلّم الأسرى الذين كانوا لدى حماس، بل حتى مقابل تسلّم جثمان أحد الأسرى.

فقد كانت الحكومة الإسرائيلية عاجزة عن تحمّل ضغوط المجتمع.

وكانت حماس تأسر الإسرائيليين بهدف تحرير أكثر من عشرة آلاف أسير في السجون الإسرائيلية، وكانت تنجح في ذلك أيضًا.

وأعتقد أن نتنياهو هو من أفشل حسابات حماس، التي كانت تهدف، من خلال طوفان الأقصى، إلى تحرير آلاف الأسرى الفلسطينيين مقابل 250 رهينة، وذلك عندما قرر التضحية بالرهائن الـ250 ومواصلة هجماته رغم ردود فعل المجتمع الإسرائيلي.

وهكذا وصلنا إلى المشهد الذي نراه اليوم.

فهل نجحت حسابات نتنياهو؟

لم تنجح، ولم يتمكن من تحقيق أي من أهدافه؛ فلم يستطع القضاء على حماس، ولا طرد الفلسطينيين من قطاع غزة، ولا احتلال غزة.

كما أن الممارسات الوحشية في الضفة الغربية تُظهر بوضوح شديد أن نتنياهو لا يحتاج إلى ذريعة من قبيل حماس كي يمارس الظلم!

لقد دفعت حماس ثمنًا باهظًا للغاية، لكنها وضعت القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام العالمي، وأسهمت في تحقيق أكبر مكسب في تاريخ الاعتراف بدولة فلسطين.

وهذا النجاح وحده كافٍ لتسجيل طوفان الأقصى في التاريخ بوصفه حدثًا يصب في مصلحة فلسطين.

كما أوقف مسار استسلام الدول العربية لإسرائيل الذي أطلقته اتفاقيات أبراهام.

وبذلك، حال دون الخيانة المحتملة للعالم العربي!

لقد انهارت أسطورة الأمن الإسرائيلية، ولم تعد إسرائيل دولة آمنة، حتى إن مواطنيها أنفسهم إما غادروا البلاد أو بدأوا النزوح من منطقة إلى أخرى داخلها.

وأرى أن حماس أدت ما يقع على عاتقها بقدر ما تسمح به إمكاناتها.

وإذا كان قطاع غزة والضفة الغربية يعيشان اليوم هذا الوضع، فإن المسؤول عن ذلك ليس حماس، بل مسلمو العالم.

وإذا كانوا قد هُزموا، فليس هم من هُزم، بل مسلمو العالم. لقد صمدت حفنة من المجاهدين في وجه الاحتلال والظلم، لكن المسلمين لم يقدموا لهم المساعدة التي كانوا يحتاجون إليها!

وعلى الرغم من ذلك، لم يغادر سكان غزة أرضهم، بل إن الذين سافروا إلى الخارج لتلقي العلاج عادوا، بعد فترة، إلى وطنهم الذي تحول إلى كومة من الأنقاض، وقدموا لجميع المسلمين دروسًا تستحق التأمل، وما زالوا يقدمونها حتى اليوم!

وبدلًا من لوم حماس لأنها لم تتوقع نتيجة كهذه، ينبغي توجيه اللوم إلى المسلمين الذين يمتلكون المدافع والدبابات والصواريخ والطائرات الحربية، والملزمين دينيًا بتقديم المساعدة.

وإذا كان الإيرانيون، الذين تجرؤوا في هذا السياق على إرسال الصواريخ إلى إسرائيل، يحظون بالتقدير، فلا ينبغي لنا أن نستغرب ذلك أيضًا!

إن خوض إيران حربًا ضد إسرائيل للمرة الأولى، بعدما تسببت تحت شعار مواجهة إسرائيل في إراقة دماء مئات الآلاف من المسلمين وجعلت حياة الملايين منهم جحيمًا، يمكن اعتباره أحد النتائج الإيجابية لطوفان الأقصى.

ولعل من الصواب القول إن طوفان الأقصى نبّه إيران أيضًا إلى عدوها الحقيقي في المنطقة، ووجّهها نحوه، بعدما كانت، للأسف، لا تلحق الضرر إلا بالمسلمين!

ومن جهة أخرى، تأتي إيران في مقدمة الدول التي تكبدت أكبر الخسائر خلال هذه المرحلة، بعد إسرائيل.

إن الدمار الذي لحق بالبلاد خلال هذه المرحلة، وفقدانها أعضاء في قيادتها، بمن فيهم المرشد الديني، وانهيار نفوذها في المنطقة، كل ذلك يُضعف أيضًا الأطروحة القائلة إن إيران كانت وراء طوفان الأقصى.

وبالطبع، يتعين على المسلمين الوقوف إلى جانب إيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن هذا التقدير لا يمنعنا من القول إن السياسة الخارجية التي انتهجتها إيران تجاه دول المنطقة طوال سنوات لم تحقق للمسلمين أدنى فائدة، بل ألحقت بهم أضرارًا جسيمة.

مبدؤنا هو الوقوف دائمًا إلى جانب الحق وأصحاب الحق!

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس