
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
إن أحد أبرز المؤشرات على ضعف النظام الدولي والبنى الوطنية هو أن الدول لم تعد تكتفي بحليف واحد أو بتحالف واحد، بل باتت تبحث عن خيارات جديدة.
وعندما ننظر إلى الصراعات الدائرة في العالم من هذا المنظور، نرى عموماً أن الأطراف لا تحارب بعضها بعضاً بقدر ما تحارب الاختلالات الكامنة في أفكارها العتيقة وأيديولوجياتها وأنظمتها القائمة. وينطبق هذا التقييم على إيران بقدر انطباقه على إسرائيل الصهيونية، كما ينطبق على السعودية واليمن والسودان وليبيا وميانمار وأوكرانيا وروسيا، وكذلك على بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا.
وبالتالي، يبدو أنه لا توجد دولة بمنأى عن آثار الفساد الداخلي والخارجي. ولهذا السبب، ينبغي تحليل الاحتجاجات التي بدأت في فرنسا بالتوازي مع الانتصارات التي حققتها الأحزاب اليمينية أو اليسارية المتطرفة في بلدان أوروبية أخرى.
إن هذه التحركات والتصدعات تمثل في الواقع أبرز المؤشرات على التفكك الهيمني الذي يتعرض له الوضع القائم في الغرب. فالفوضى تتعمق في الغرب، حيث يتراجع مستوى المعيشة تدريجياً، وتتسع الفجوة في الدخل، وتتسع الهوة بين فئات المجتمع من حيث عدم المساواة يوماً بعد يوم.
ولم يعد السياسيون قادرين على إيجاد الحلول. فبدلاً من السيطرة على الأوضاع وإدارتها، باتوا يحاولون مجرد التكيف معها وإدارة تبعاتها.
وباسم الحل، يتبنى السياسيون المحافظون والعنصريون نهجاً فاشياً يتجاهل ليس الحريات والحقوق فحسب، بل المهاجرين والمسلمين والأقليات الأخرى أيضاً.
أما السياسيون التقدميون، فيقعون في فخ العدمية الذي تنصبه النخب العولمية، من خلال دعم مشاريع تدافع عن مجتمع الميم (LGBT) وتتجاهل قيم الأسرة، في إطار مشروع «الاشتراكية الديمقراطية».
وكما يتضح، فإن كلا الوصفتين اللتين يقدمها الغرب أو يدافع عنهما للقضاء على تناقضاته الداخلية عاجزتان عن إنتاج الحلول.
وكما ذكرت في مقالي السابق، فإن الجماهير التي نسميها «الآخرين في الغرب»، والتي ترزح تحت وطأة الحرمان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، تريد التعبير عن آرائها بحرية والمطالبة بحياة مزدهرة وعادلة. وهي تقول: «نعم للاندماج، لكن لا للاستيعاب القسري».
غير أن الوضع القائم النيوليبرالي في أوروبا والولايات المتحدة وصل إلى طريق مسدود. فالطبقات السياسية الغربية، العالقة في دوامة الاستراتيجيات اليائسة، لا تقدم أي بديل سوى خيارين قاتلين. أولهما النموذج العنصري الشعبوي الذي يمثله ترامب.
ويقوم هذا الحل على طرد المهاجرين والمسلمين والأجانب الآخرين بأعداد جماعية، وإن تعذر ذلك، فالسعي إلى «جعلهم غير مرئيين» قدر الإمكان في المجال العام. أما الذين يعترضون من داخل الغرب نفسه على هذا الحل القائم على العنصرية والاستبداد الإثني، فيدافعون عن نموذج الاشتراكية الديمقراطية.
لكن كلتا الوصفتين لا تؤديان إلى حل المشكلات، بل إلى تعميقها أكثر. فالمجتمعات الغربية أصبحت بالفعل مجتمعات مختلطة، وتحول الأفراد إلى جنود مطيعين أو دمى مدنية في عجلة الاستغلال التي تديرها الرأسمالية العسكرية. ومن الصعب أيضاً استيعاب هذه البنية متعددة الثقافات والمتداخلة، كما يصعب كسر آلية الاستغلال النيوليبرالية القائمة على الريع العالمي.
وبالتالي، لا تجدي الصيغ الليبرالية أو الاشتراكية نفعاً في تنظيم العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين المجموعات الإثنية والدينية المختلفة والدولة. ولا ينبغي أن ننسى أن كلا النموذجين يدعم اقتصادياً رأس المال على حساب الأجور وعرق الجبين. فهما يدافعان عن المضاربين السياسيين والماليين، لا عن المنتجين، ويقدمان مكاسب الشعب قرباناً لأصحاب رؤوس الأموال العالميين والمحليين.
وبناءً على ذلك، نرى أن الفساد والسرقة تحولا إلى ثقافة سياسية في كلا النهجين، اللذين يتبنيان عقلية استبدادية، سواء أكانا فاشيين أم اشتراكيين. فالأموال الموجودة في خزينة الدولة تنتهي في جيوب الفاسدين بدلاً من توجيهها إلى الإسكان والطرق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية. وهذا يقوض التنمية والنمو المستدامين.
وهنا نرى اليوم أن الكيل قد طفح في فرنسا وغيرها من البلدان الغربية. فالسياسة التي تعجز عن إيجاد حلول للمطالب الاجتماعية والاقتصادية تتحول بمرور الوقت إلى جزء من الأزمة نفسها، بل إلى الأزمة ذاتها. وخلاصة القول، مثلما تؤدي فروق الضغط في الغلاف الجوي إلى اضطراب الأنظمة الجوية في أنحاء العالم، فإن تزايد فروق الضغط الاجتماعي والعالمي يؤدي أيضاً إلى نشوء ظواهر «إل نينيو» سياسية.
إن المركز الإمبريالي الغربي، الذي أغرق أطرافه في الفوضى والحروب والدماء، يواجه الآن مأزقاً. ويبدو أن الحريق المشتعل في الأطراف قد امتدت نيرانه إلى الداخل. وتشير التطورات إلى أن الانتفاضة في فرنسا ستزداد اشتعالاً، وأن ألسنة اللهب ستمتد إلى بلدان أخرى أيضاً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











