
ترك برس
تتجه الأنظار في الولايات المتحدة إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في ظل تساؤلات بشأن حصيلة الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، ومدى نجاحه في الوفاء بالوعود الاقتصادية والسياسية التي قطعها للناخبين خلال حملته الانتخابية عام 2024، وسط تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية والتطورات العسكرية المرتبطة بإيران.
ويرى الكاتب ليفنت إرسين أورالي، في مقال بصحيفة «ستار» التركية، أن هذه الانتخابات تجاوزت كونها استحقاقاً عادياً لاختيار أعضاء الكونغرس، لتتحول إلى ما يشبه استفتاءً على أداء ترامب، واختباراً لقدرته على الاحتفاظ بالأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونغرس، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الوعود الانتخابية والنتائج التي لمسها الأمريكيون في حياتهم اليومية.
وأشار الكاتب إلى أن ترامب قدّم خلال انتخابات 2024 وعوداً طموحة للمجتمع الأمريكي، شملت القضاء على التضخم، وخفض تكاليف المعيشة وأسعار البنزين والمواد الغذائية، وإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية خلال 24 ساعة، ووقف الهجرة غير النظامية، وإعادة الاقتصاد الأمريكي إلى موقعه بوصفه القوة المحركة للاقتصاد العالمي بلا منازع.
وأضاف أن ترامب لم يعد الناخبين بمجرد ولاية رئاسية عادية، بل وعدهم، على حد تعبيره، بما يشبه «معجزة اقتصادية وسياسية»، غير أن الاختبار الحقيقي بدأ عندما اصطدمت التصريحات التي أُطلقت على المنصات الانتخابية بواقع إدارة الدولة وتعقيداته.
وفي هذا السياق، لفت أورالي إلى أن تكاليف المعيشة لا تزال تتصدر اهتمامات الأمريكيين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، رغم تعهد ترامب بخفض الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية للأسر. واستشهد باستطلاعات «رويترز/إبسوس»، التي أظهرت أن نحو نصف الناخبين يعتبرون غلاء المعيشة القضية الأهم في تحديد خياراتهم الانتخابية، بما يعكس، وفق الكاتب، استمرار الفجوة بين الوعود الاقتصادية والواقع اليومي للناخبين.
كما أشار إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب أثارت نقاشاً بشأن انعكاس تكلفتها على المستوردين والمستهلكين الأمريكيين، رغم تقديمها باعتبارها أداة لتحميل المنتجين الأجانب أعباء إضافية.
الوعود الانتخابية بين الإنجازات والتعثر
وفي تقييمه لوعود ترامب، أوضح أورالي أن تعهده بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية خلال يوم واحد كان من أبرز الأمثلة على الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع؛ فرغم تسريع المفاوضات الدبلوماسية، لم يتمكن الرئيس الأمريكي من وضع حد للحرب.
وأضاف أن ترامب شدد الإجراءات الأمنية على الحدود وزاد عمليات الترحيل في إطار سياسته المتعلقة بالهجرة، لكنه لم يحقق بعد هدفه المتمثل في تنفيذ أكبر عملية ترحيل في تاريخ الولايات المتحدة. وفي المقابل، أقر الكاتب بأن الإدارة الأمريكية أحرزت تقدماً في بعض الملفات، من بينها التخفيضات الضريبية وعدد من الإجراءات التنظيمية.
وشدد على أن القضية لا تتمثل في أن ترامب لم يفعل شيئاً، وإنما في عجزه عن تحويل جزء مهم من وعوده الكبرى إلى نتائج ملموسة بالمستوى الذي كان ينتظره الناخبون.
ورأى الكاتب أن المشهد في السياسة الخارجية يكشف بدوره عن تناقض بين خطاب ترامب الداعي إلى الابتعاد عن الحروب الجديدة وإعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، وبين التطورات التي أفرزها الصراع العسكري المرتبط بإيران.
وقال إن الناخب الأمريكي لا ينظر بالدرجة الأولى إلى نوايا الرئيس، بل إلى النتائج التي يلمسها، معتبراً أن هذه هي المحاسبة القاسية التي تفرضها السياسة.
وفي هذا الإطار، أشار أورالي إلى أن انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة إلى ترامب، إذ لم تعد مجرد انتخابات لاختيار أعضاء الكونغرس، بل تحولت إلى اختبار لثقة الناخبين بأداء الرئيس خلال النصف الأول من ولايته الثانية.
مجلسا النواب والشيوخ.. مؤسستان لتقييد صلاحيات الرئيس
وانتقل الكاتب إلى شرح طبيعة النظام السياسي الأمريكي، معتبراً أن فهم قوة منصب الرئاسة لا يكتمل دون فهم بنية الكونغرس الذي يحد من صلاحيات السلطة التنفيذية ويراقب أداءها.
وأوضح أن النظام الرئاسي الأمريكي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات وآليات التوازن والرقابة، إذ يتولى الرئيس قيادة السلطة التنفيذية، بينما تعود السلطة التشريعية إلى الكونغرس، الذي يتألف من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
وأشار إلى أن مجلس النواب يتكون من 435 عضواً، يجري توزيع مقاعدهم وفقاً للتعداد السكاني للولايات، وينتخب أعضاؤه كل عامين، الأمر الذي يجعله من أكثر المؤسسات السياسية الأمريكية انعكاساً للتغيرات في توجهات الرأي العام.
وأضاف أن المجلس يتمتع بصلاحيات مهمة في مجالي الموازنة والضرائب، كما يستطيع ممارسة الرقابة على الإدارة الرئاسية وفتح التحقيقات بحقها، فضلاً عن إطلاق إجراءات عزل الرئيس.
واعتبر أن نجاح الديمقراطيين في انتزاع الأغلبية داخل مجلس النواب سيعني بدء مرحلة من الرقابة السياسية والمساءلة الجادة لإدارة ترامب.
أما مجلس الشيوخ، فيتكون من 100 عضو، وتمثل فيه كل ولاية بعضوين بصرف النظر عن عدد سكانها، وينتخب أعضاؤه لست سنوات، مع تجديد نحو ثلث المقاعد كل عامين. وأوضح الكاتب أن 35 مقعداً في المجلس ستكون محل تنافس خلال انتخابات التجديد النصفي الحالية.
ولفت إلى أن مجلس الشيوخ يمتلك صلاحيات بالغة الأهمية، تشمل المصادقة على التعيينات الرئاسية في المناصب العليا، وإقرار المعاهدات الدولية، والنظر في محاكمات العزل الرئاسي.
كما أشار إلى أن قاعدة التعطيل البرلماني المعروفة باسم «Filibuster»، والتي تتطلب تأييد 60 عضواً لإنهاء النقاش في كثير من التشريعات، يمكن أن تشكل عقبة كبيرة أمام تمرير القوانين، حتى في حال امتلاك الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس أغلبية في المجلس.
وتشير البيانات الانتخابية إلى أن الديمقراطيين يحتاجون إلى مكسب صافٍ من أربعة مقاعد لانتزاع أغلبية مجلس الشيوخ، فيما يتطلب انتزاع أغلبية مجلس النواب مكسباً صافياً من ثلاثة مقاعد وفق توزيع المقاعد عشية الانتخابات.
وفيما يتعلق بالمنافسة الانتخابية، قال أورالي إن الجمهوريين يدخلون الانتخابات وهم يمتلكون أغلبية ضئيلة في مجلسي الكونغرس، بينما تبدو فرص الديمقراطيين في انتزاع السيطرة على مجلس النواب أكبر مقارنة بمجلس الشيوخ، حيث تبدو المنافسة أكثر احتداماً.
وأوضح أن فوز الديمقراطيين بالأغلبية في أي من المجلسين من شأنه أن يصعّب على ترامب تمرير أجندته التشريعية، ويزيد حدة المفاوضات المتعلقة بالموازنة، ويوسع نطاق التحقيقات في أداء إدارته، فضلاً عن إعاقة المصادقة على تعييناته ومبادراته السياسية.
أما خسارة الجمهوريين الأغلبية في المجلسين معاً، فستجعل العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية الثانية لترامب أكثر صعوبة، وتدفعه إلى مواجهة سياسية أشد داخل المؤسسات الأمريكية.
هل انتهت فترة شهر العسل لترامب؟
وفي ختام مقاله، رأى أورالي أن ترامب يواجه اختبارين رئيسيين؛ أولهما تقديم حساب للناخبين الأمريكيين بشأن مدى وفائه بالوعود التي قطعها عليهم، وثانيهما الحفاظ على موازين القوى السياسية داخل الكونغرس بما يخدم إدارته.
واعتبر أن إحدى السمات اللافتة للديمقراطية الأمريكية تتمثل في أن الرئيس يستطيع الفوز بالانتخابات والوصول إلى البيت الأبيض، لكنه يظل مضطراً إلى إبقاء أبواب الكونغرس مفتوحة أمامه حتى يتمكن من إدارة البلاد بالطريقة التي يريدها.
وأضاف أن الهدف النهائي لترامب لا ينبغي أن يقتصر على الفوز بالانتخابات، بل يتمثل في مواصلة ممارسة السلطة دون استنزاف الرصيد السياسي الذي منحه إياه فوزه الانتخابي.
وخلص الكاتب إلى أن أكبر العقبات التي تواجه ترامب في ولايته الثانية داخل البيت الأبيض تتمثل في التوقعات التي خلقتها وعوده الانتخابية من جهة، والقيود المؤسسية التي يفرضها النظام السياسي الأمريكي على صلاحيات الرئيس من جهة أخرى.
وختم أورالي مقاله بالقول إن الرئيس قد يكون قوياً في السياسة الأمريكية، لكن الكونغرس يمتلك بدوره كلمات يذكره بها، مفادها: «لستم دائماً من يقول الكلمة الأخيرة في السياسة!».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










