
غزوان المصري - خاص ترك برس
قد تُبنى آلاف المساكن في سوريا، وتبقى عودة الحياة إليها متعثرة؛ فالبيت يحتاج إلى دخل، والمصنع إلى كهرباء وأسواق، والأسرة إلى ثقة بأن الغد يستحق البقاء. من هنا يبدأ امتحان إعادة الإعمار: هل نستطيع تحويل الأموال والمشروعات إلى اقتصاد ينتج، وفرص عمل تدوم، وحياة يستعيد فيها السوري قدرته على بناء مستقبله؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، تبرز الشراكة السورية التركية، بمشاركة عربية فاعلة، فرصةً تستحق أن تتحول إلى برنامج عمل.
حين نتحدث عن إعادة إعمار سوريا، فإن السؤال الأهم هو: أيّ اقتصاد نريد أن نبني؟ فالمباني تحتاج إلى أسر قادرة على السكن فيها، والمصانع تحتاج إلى كهرباء وعمال وأسواق، والطرق تحتاج إلى حركة إنتاج وتجارة تمنحها قيمتها. ولهذا ينبغي أن تنطلق رؤية التعافي من استعادة قدرة السوريين على العمل والإنتاج، وأن يصبح تحسن حياة المواطن المعيار الأساسي لنجاحها.
في هذا السياق، تبرز العلاقة السورية التركية بوصفها فرصة لبناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد. فالجوار يتيح تقليل مسافات النقل، وتسهيل التواصل بين المنتجين، وربط الأسواق والمناطق الصناعية. لكن تحويل هذه المزايا إلى نتائج يتطلب رؤية واضحة، تحدد الأولويات والمسؤوليات، وتربط مصالح المستثمرين باحتياجات الاقتصاد السوري، ضمن علاقات متوازنة تحقق منفعة متبادلة.
تستطيع تركيا أن تسهم في التعافي السوري عبر تأهيل المصانع، وتوفير الآلات والتكنولوجيا، وتدريب الكوادر، وتطوير الخدمات اللوجستية والبنية التحتية. وتتعاظم قيمة هذه المساهمة عندما تنشأ مشروعات مشتركة، تمنح الموردين السوريين فرصة للمشاركة، وتساعد المنشآت المحلية على تحسين الجودة والإدارة والوصول إلى الأسواق.
وأرى أن الصيغة الأجدى تجمع بين الخبرة الصناعية والإدارية التركية، والمعرفة السورية بالسوق والموارد المحلية، والتمويل السوري والعربي والدولي. ويمكن لهذه الشراكة أن تبدأ بمشروعات متوسطة قابلة للتنفيذ، ثم تتوسع وفق نتائجها. فالنجاح المتحقق على الأرض أكثر قدرة على جذب المستثمرين من الوعود الكبيرة التي تتأخر ترجمتها إلى إنتاج وفرص عمل.
ومن الضروري أن يصاحب الانفتاح التجاري اهتمام ببناء القدرة التنافسية للإنتاج السوري. وهذا يستدعي سياسات واضحة للمواصفات والجمارك، وتيسير استيراد المعدات ومدخلات الإنتاج، ومواجهة الإغراق والاحتكار وفق قواعد معلنة. فالمطلوب أن يجد المنتج السوري فرصة للتأهيل والمنافسة، وأن يحصل المستهلك في الوقت نفسه على سلع جيدة بأسعار معقولة.
ويبقى السؤال الحاسم: ما الذي يجعل المستثمر يلتزم بمشروع يمتد لسنوات؟ الإجابة تبدأ من الثقة. فالإعفاءات الضريبية قد تخفض التكلفة، لكن المستثمر يحتاج أيضاً إلى حماية الملكية، واحترام العقود، وسرعة تسوية المنازعات، واستقرار الإجراءات، ووضوح التزاماته تجاه الدولة. وهذه الضمانات تمنحه القدرة على تقدير المخاطر والتخطيط للتوسع.
ويحتاج كذلك إلى خدمات مصرفية تمكّنه من تمويل نشاطه وتسديد مستحقاته وإجراء تحويلاته بصورة نظامية، وإلى معرفة الجهة المسؤولة عن معاملته والمدة اللازمة لإنجازها. لذلك فإن النافذة الاستثمارية الفعالة ينبغي أن تمتلك صلاحية التنسيق والمتابعة بين المؤسسات، وأن تعمل بمهل محددة وآلية واضحة للشكاوى والمساءلة.
وأتبنى هنا تفاؤلاً حذراً تجاه فرص الاستثمار في سوريا؛ تفاؤلاً يقر بإمكانات التحسن، ويربط الحكم عليها بالتنفيذ. فالاختبار الحقيقي هو انتظام تشغيل المشروع، وقدرته على الحصول على الخدمات ودفع الأجور وتسويق منتجاته. كما أن تفاوت الجاهزية بين المناطق والقطاعات يستدعي قرارات مدروسة واستثماراً تدريجياً، يستند إلى بيانات موثوقة ودراسات واقعية.
أما تحديد القطاعات ذات الأولوية، فينبغي أن يجمع بين الحاجة الاجتماعية والجدوى الاقتصادية: كم فرصة عمل يخلقها المشروع؟ وهل يخفض تكلفة الإنتاج، أو يوفر سلعة أساسية، أو يزيد الصادرات؟ وما حجم القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المحلي؟ بهذه المعايير نستطيع توجيه الموارد المحدودة نحو مشروعات أوسع أثراً وأكثر قابلية للاستمرار.
وفق هذا المنظور، تأتي إعادة تأهيل المنشآت الصناعية ضمن الأولويات، وخاصة في الصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية ومواد البناء. وينبغي تقييم كل منشأة فنياً ومالياً؛ فقد يكون إصلاح مصنع قائم أسرع وأجدى، بينما تتطلب حالة أخرى استثماراً جديداً بتقنيات أكثر كفاءة واستهلاك أقل للطاقة، مع مراعاة الطلب الفعلي وقدرة المنتج على المنافسة.
وتحتل الطاقة موقعاً محورياً لأنها تؤثر في جميع الأنشطة تقريباً. وتستحق الطاقة المتجددة اهتماماً خاصاً، على أن تُدرس مشروعاتها مع احتياجات الشبكة والتخزين والصيانة وآليات التعاقد والتحصيل. فالجدوى تتعلق باستمرارية الخدمة وتكلفتها طوال عمر المشروع، وبقدرتها على مساعدة المنشآت والأسر في الحصول على طاقة يمكن الاعتماد عليها.
وفي الزراعة، ينبغي ربط الإنتاج بالري الكفؤ والتصنيع الغذائي والتخزين والتبريد والتعبئة والتسويق، مع مراعاة استدامة المياه. أما الإسكان، فتبرز فيه أهمية ترميم المساكن وتأهيل الأحياء والإسكان الميسّر، بما يحفظ حقوق الملكية ويتناسب مع قدرة الأسر على الدفع. وتتكامل هذه المجالات مع النقل والمستودعات والخدمات الرقمية، فيما يحتاج التوسع السياحي إلى جاهزية أمنية وخدمية وحماية للتراث.
ويمتلك رجال الأعمال السوريون في الخارج فرصة للمساهمة بالخبرة والعلاقات التجارية والتكنولوجيا، إلى جانب رأس المال. ويمكن لمن يعمل منهم في تركيا أن ينشئ نشاطاً مكملاً داخل سوريا، أو يطور منشأة قائمة، أو يفتح قناة تصدير، أو يساعد على تدريب كوادر وتأهيل موردين، مستفيداً من معرفته بمتطلبات الأسواق وأساليب الإدارة.
ولا تقتضي هذه المساهمة انتقال جميع أعماله دفعة واحدة. فقد تكون المحافظة على نشاط خارجي ناجح عاملاً مساعداً في تمويل المشروع السوري وتسويقه. والمهم إعداد فرص قابلة للتمويل، تتضمن بيانات واضحة ودراسات جدوى وحوكمة وتحديداً للمسؤوليات والمخاطر. فالانتماء يشجع المبادرة، والإدارة الجيدة تساعدها على الاستمرار وتحقيق منفعة للمستثمر والمجتمع.
وهنا تبرز أهمية جمعيات الأعمال، ومنها «موصياد»، في جمع الطاقات وتحويل العلاقات الفردية إلى تعاون منظم. ومن خلال تجربتي في العمل المؤسسي، أرى أن اللقاءات القطاعية والوفود والمعارض تحقق قيمة أكبر حين تسبقها معرفة باحتياجات المشاركين، وتتبعها متابعة للنتائج والعقبات، وصولاً إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.
وفي تركيا، يمكن لهذه المؤسسات توسيع اندماج رجال الأعمال السوريين والعرب في شبكات الصناعة والتجارة، وتعزيز شراكاتهم مع الشركات التركية. وفي سوريا، نطمح إلى أن يسهم فرع «موصياد» في تنظيم الحوار بين المستثمرين، وتطوير المهارات، وعرض المشكلات والحلول على الجهات المختصة، وتشجيع المبادرات المشتركة بشفافية وعدالة في إتاحة الفرص.
وتستطيع سوريا الاستفادة من أدوات التجربة التركية، مثل المناطق الصناعية المخدّمة، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وربط التدريب المهني بالمصانع، وتيسير التصدير. ويتطلب ذلك تكييف كل أداة مع الموارد المحلية؛ فالمنطقة الصناعية تحتاج إلى خدمات وإدارة، ودعم التصدير يحتاج إلى جودة وتمويل ونقل، والتدريب يحتاج إلى ارتباط بفرص عمل فعلية.
إن الشراكة السورية التركية، بمشاركة عربية فاعلة، يمكن أن تفتح مساراً مهماً للتعافي، إذا استندت إلى مؤسسات كفؤة ومنافسة عادلة واحترام الأولويات الوطنية. والطريق إلى ذلك يبدأ بمشروعات قابلة للحياة، وقواعد تحمي الحقوق، ونتائج يلمسها المواطن: مصنع يعمل، ومزرعة تنتج، وشاب يجد فرصة كريمة، وأسرة تستعيد قدرتها على التخطيط للمستقبل.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













