ترك برس
من يظن أن وسط الأناضول مجرد سهوب جافة، سيُفاجَأ حين يكتشف أن هذه المنطقة تخبئ بين صخورها ووديانها عالمًا آخر من التاريخ والطبيعة. هنا، حيث يلتقي الحجر بالنبات، والماء بالأسطورة، تنبثق الحكايات من أعماق الأرض كما تتفتح الزهور على ضفاف النهر.

في قبادوكيا، تُخفي الأرض تحت أقدامنا مدنًا كاملة. قايماقلي ودرين قويو ليست مجرد كهوف بل متاهات منحوتة على أعماق تصل إلى ثمانية طوابق. هناك عاش الناس، وحفروا لأنفسهم مساكن وكنائس وحتى مقابر. بعض هذه الأنفاق كان أول ما يستقبل الداخلين إسطبلًا للخيل، بينما تعمقت الحياة إلى الأسفل حيث المساكن والكنائس الصغيرة. درين قويو، "البئر العميق"، باسمها الذي يوحي بالرهبة، لا تزال شاهدة على عبقرية الإنسان في مواجهة الغزوات والمحن.

لكن الأناضول لا تُعرف فقط بما تحتها، بل بما فوقها أيضًا. في أسكي شهير، تكسو الأرض ثروة نباتية مذهلة، ما يقارب ألفي نوع من النباتات، أكثر من مئتين منها لا تنبت إلا هنا. بعض الأنواع موجود حصريًا في جبال سُندِكن وجبال التركمان، لتجعل من المدينة مختبرًا طبيعيًا للتنوع البيولوجي.

وإذا ما ابتعدنا قليلًا شمالًا نحو جانقري، سنقف أمام شجرة بلوط عظيمة تجاوز عمرها أربعة قرون. بجذعها الضخم الذي يحيط به أكثر من 14 مترًا، تفرض الشجرة حضورًا مهيبًا كأنها حارسة الزمن.

أما في قيصري، فهناك بحيرة توزلا، بحيرة الملح التي يتبدل وجهها مع الفصول. صيفًا، ومع قلة الأمطار واشتداد التبخر، تنكمش مساحتها تاركة وراءها طبقة ملحية ناصعة. حول هذه البحيرة عاشت حضارات منذ الحثيين وصولًا إلى العثمانيين، وعلى مقربة منها عبرت قوافل طريق الحرير، تاركة خان السلطان والكروان سراي ومساجد وكليات ما زالت قائمة حتى اليوم.

في قِرشهير، يتنفس المكان برائحة الورود. هذه المدينة التي كانت تُعرف يومًا بـ"مدينة الورد"، امتلأت حدائقها بالزهور حتى صارت مادة للأغاني الشعبية، بينما لا يزال الأهالي يصنعون من بتلاتها مربى بطعم الذاكرة.

وفي قرق قلعة، يطل وادي اللافندر بألوانه البنفسجية العطرة، واديًا حديثًا لكنه أصبح سريعًا قبلة لعشاق التصوير والطبيعة. أما في قونية، فقد جُلبت الغابات الاستوائية إلى قلب المدينة عبر "حديقة الفراشات الاستوائية"، حيث تطير الفراشات الملونة وسط آلاف النباتات، وتخلق لوحة طبيعية أقرب للحلم.

لكن أجمل الحكايات تبقى أسطورية. في أنقرة، قرب بحيرة موجان، تتفتح زهرة فريدة تُعرف باسم "زهرة الحب" أو "القنطور الأحمر". تزدهر في الربيع بألوان حمراء وأرجوانية وزهرية، وتحمل أسطورة عن حب مستحيل بين عاشقين، كأنها تروي قصة العشق الذي لم يكتمل. ومع ذلك، فهي اليوم تواجه خطر الانقراض تحت ضغط البشر والمبيدات.

ولأن الأرض هنا لا تعطي فقط الحكايات بل الغذاء أيضًا، فإن قبادوكيا تفيض بثمارها. العنب الذي ينمو في تربتها البركانية المسامية يصلح لإنتاج نبيذ محلي شهير، بينما بساتينها تحتضن التفاح والمشمش والجوز والتوت. أما حقولها الواسعة فتعطي القمح، الذي يحوله أهل المنطقة إلى برغل، جزء أصيل من مطبخ الأناضول.

وعلى امتداد هذه الأرض، ينساب نهر قيزيل إرماك، "النهر الأحمر"، أطول نهر في تركيا بطول 1355 كيلومترًا. يولد من جبال قيزيل داغ ويمر عبر مدن سيواس وقيصري ونوشهير وأنقرة وصولًا إلى البحر الأسود. على ضفافه تقع أفانوس، مدينة الفخار التي لا تزال تستخدم طين النهر لصناعة أوانٍ فخارية كما كان يفعل الحرفيون منذ قرون.

وسط الأناضول إذن ليس مجرد جغرافيا؛ إنه مسرح تتقاطع فيه الأساطير بالتاريخ، وتلتقي فيه الطبيعة بالحياة اليومية. هنا، تُحكى القصص بألوان الزهور، وأصداء الفخار، وتحت ظلال شجرة بلوط صامدة منذ أربعة قرون.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!