حسناء جوخدار - ترك برس

تواصل تركيا ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الاقتصادات الصاعدة في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين قارتي آسيا وأوروبا، ومن بنيتها الاقتصادية المتنامية التي توفر بيئة جاذبة للاستثمار في مختلف القطاعات الحيوية. 

وفي السنوات الأخيرة، أولت الحكومة التركية اهتمامًا كبيرًا بتطوير البنية التحتية وتعزيز نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، باعتبارها أداة رئيسية لدعم النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة. 

وقد أسهمت هذه السياسات في إطلاق مشاريع ضخمة في مجالات النقل والطاقة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، الأمر الذي عزز من قدرة تركيا التنافسية وجعلها مركزًا إقليميًا للتجارة والاستثمار والخدمات.

نمو متسارع وخبرة متزايدة في مشاريع الشراكة

شهد الاقتصاد التركي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2003 و2023 نموًا سنويًا فعّالًا في الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 5.3%، وهو ما يعكس قوة الاقتصاد وقدرته على التوسع رغم التحديات الإقليمية والعالمية. وفقا لمعطيات صادرة عن مكتب الاستثمار والشؤون المالية في الرئاسة التركية.

وفي إطار دعم مشاريع البنية التحتية، وقّعت تركيا منذ عام 1986 وحتى عام 2024 عقودًا تتعلق بـ272 مشروعًا ضمن نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بإجمالي قيمة بلغت نحو 215 مليار دولار أمريكي. ويعكس وصول أكثر من نصف هذه المشاريع إلى مرحلة الإغلاق المالي خلال السنوات العشر الأخيرة تطور الخبرة التركية في إدارة وتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى.

وتعتمد تركيا في هذا المجال على مجموعة متنوعة من النماذج الاستثمارية، مثل نموذج الإنشاء والتشغيل، ونموذج الإنشاء والتشغيل ونقل الملكية، إضافة إلى نموذج الإنشاء والتأجير ونقل الملكية، بما يتيح مرونة واسعة أمام المستثمرين المحليين والدوليين.

عوامل الجذب الاستثماري في تركيا

تمتلك تركيا مجموعة من المقومات التي تجعلها وجهة واعدة للاستثمار في البنية التحتية، وفي مقدمة هذه المقومات عدد السكان الكبير الذي بلغ نحو 85.7 مليون نسمة، مع زيادة سكانية تُقدّر بمليون نسمة سنويًا. كما تشهد البلاد توسعًا حضريًا متسارعًا، حيث تضم أكثر من 24 مدينة يتجاوز عدد سكان كل منها مليون نسمة، من بينها 10 مدن يزيد عدد سكانها عن مليوني نسمة.

ويسهم الموقع الجغرافي المتميز لتركيا في تعزيز أهميتها الاقتصادية، إذ تقع في قلب سوق عالمية تتجاوز قيمة تعاملاتها التجارية 10 تريليونات دولار، تشمل أوروبا وأفريقيا ووسط آسيا وروسيا. كما أن الوصول الجوي خلال أربع ساعات فقط يربط تركيا بـ67 دولة يبلغ إجمالي ناتجها المحلي نحو 30 تريليون دولار، وتضم قاعدة استهلاكية تصل إلى 1.3 مليار نسمة.

وتؤدي تركيا دورًا محوريًا ضمن “الممر الأوسط” لمبادرة الحزام والطريق الصينية، ما يعزز مكانتها كحلقة وصل استراتيجية بين الشرق والغرب ومركزًا متناميًا للتجارة الدولية والخدمات اللوجستية.

تطور قطاع الرعاية الصحية والطاقة

إلى جانب النقل والخدمات اللوجستية، تستثمر تركيا بشكل متزايد في قطاع الرعاية الصحية، خاصة مع استقبالها أكثر من مليون مريض أجنبي سنويًا ضمن قطاع السياحة العلاجية. وقد دفعت هذه الزيادة الحكومة إلى تطوير البنية التحتية الصحية وتحسين جودة الخدمات الطبية بما يتوافق مع معايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD).

كما يشهد قطاع الطاقة فرصًا استثمارية واسعة، مدفوعة بالحاجة إلى تعزيز أمن الطاقة وتوسيع الاعتماد على المشاريع الحديثة والمستدامة، وهو ما يفتح المجال أمام الاستثمارات المحلية والأجنبية في مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة.

بيئة تشريعية داعمة للاستثمار

تعمل الحكومة التركية على توفير بيئة استثمارية مشجعة من خلال حزم متعددة من الحوافز والدعم المالي والتشريعي، بهدف تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى وتحسين جاذبية السوق التركية أمام المستثمرين.

كما يستند مناخ الاستثمار في تركيا إلى منظومة قانونية مدعومة بالتشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية التي توفر الحماية القانونية للاستثمارات، إضافة إلى إتاحة آليات التحكيم الدولي، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين ويحد من المخاطر المحتملة.

وتدعم الإدارة المالية العامة القوية والسياسات الاقتصادية الشاملة قدرة الدولة على توفير الضمانات اللازمة للمشاريع الكبرى، خاصة تلك التي تعتمد على نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

مستقبل الخدمات اللوجستية والنقل

تستعد تركيا للاستفادة من التحولات العالمية المتوقعة في حركة التجارة والنقل، خصوصًا مع التوقعات التي تشير إلى تسارع النمو السكاني والتجاري في آسيا وأفريقيا خلال العقود المقبلة، وما سيترتب عليه من زيادة كبيرة في الطلب العالمي على خدمات النقل والخدمات اللوجستية بحلول عام 2050.

وفي هذا الإطار، تواصل تركيا تنفيذ استثمارات ضخمة في قطاعات النقل والموانئ والخدمات اللوجستية بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية الحديثة، مثل الاستدامة البيئية، والتحول الرقمي، والربط بالأسواق الدولية الرئيسية، واعتماد تقنيات النقل الحديثة.

وتسعى تركيا خلال المدى القصير والمتوسط إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها:

زيادة عدد المراكز اللوجستية وتحسين إدارتها التشغيلية.

الانضمام إلى قائمة أفضل 10 دول عالميًا في مؤشر الأداء اللوجستي.

تطوير نظام الموانئ الجافة والتوسع فيه.

تعزيز دور تركيا كمركز رئيسي للخدمات اللوجستية في الممر الأوسط.

دعم التحول الرقمي في قطاع النقل والخدمات اللوجستية.

تسريع الإجراءات الجمركية ورفع كفاءتها.

تعكس الاستثمارات التركية المتواصلة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية رؤية استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز مكانة البلاد كمركز عالمي للتجارة والاستثمار. وبفضل موقعها الجغرافي الفريد، ونموها الاقتصادي المستمر، وبيئتها التشريعية الداعمة، تبدو تركيا مؤهلة للعب دور محوري في حركة التجارة الدولية خلال العقود المقبلة.

كما أن اعتمادها المتزايد على نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمنحها قدرة أكبر على تنفيذ المشاريع العملاقة بكفاءة عالية، مع توفير فرص استثمارية واعدة للمستثمرين من مختلف أنحاء العالم.

 

عن الكاتب

حسناء جوخدار

Hüsna Joukhadar


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!