
د. عثمان غازي كاندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
تبدو مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة، للوهلة الأولى، وكأنها نجاح دبلوماسي مهم أسهم في خفض التوتر في الشرق الأوسط.
فقد أُعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية الدولية، وتراجعت أسعار النفط، وشهدت الأسواق العالمية حالة الارتياح التي كانت تنتظرها منذ أسابيع.
وفي حين تقدم واشنطن ذلك على أنه انتصار للدبلوماسية، تصف طهران الوثيقة نفسها بأنها ثمرة صمودها، بل وحتى انتصار لها.
ويرجع السبب في هذا التفسير المختلف جذريًا للنص نفسه في العاصمتين، ليس إلى توصل الطرفين إلى توافق حقيقي، بل إلى كثرة القضايا التي اتفقا على تأجيل حسمها.
وللتفاهم نتائج ملموسة على المدى القصير.
فقد انتهى الضغط الفعلي الذي كانت تمارسه إيران على مضيق هرمز.
كما منحت الولايات المتحدة إيران مهلة مرنة مدتها 60 يومًا فيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على صادراتها النفطية والبتروكيماوية.
وانخفض الضغط على أسواق الطاقة.
غير أن القيمة الحقيقية للنصوص الدبلوماسية لا تُقاس بحالة التفاؤل التي تخلقها في يومها الأول، وإنما بمدى وضوح بنودها عند اندلاع الأزمات.
ومن هذه الزاوية، فإن الوثيقة الموقعة تشير إلى خلافات مؤجلة أكثر مما تشير إلى مشكلات جرى حلها.
وتبرز ثلاث قضايا رئيسية لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق بشأنها:
أولها، الشروط التي سيتم بموجبها الإفراج عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة.
وثانيها، الوضع القانوني طويل الأمد لمضيق هرمز.
وثالثها، الصلاحيات التي ستُمنح للوكالة الدولية للطاقة الذرية عند عودتها إلى المنشآت النووية الإيرانية.
ولا تُعد أي من هذه القضايا مجرد تفاصيل تقنية، بل هي مسائل أساسية ستحدد مستقبل هذا التفاهم.
كما أن تاريخ المفاوضات النووية يقدم في هذا السياق تحذيرًا مهمًا.
فالمشكلة المشتركة في المفاوضات مع إيران كانت غالبًا تتمثل في الغموض الذي تُرك في نصوص الاتفاقات.
فعام 2003، فُسرت العبارات المتعلقة بتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم بطرق مختلفة.
وفي عام 2004، اكتسب مفهوم "الضمانات الموضوعية" معاني مختلفة تمامًا لدى كل طرف.
وانهارت العمليتان خلال فترة قصيرة.
أما التفاهم الحالي، فيحمل خطرًا مشابهًا.
إذ تنص الوثيقة على أن إيران "ستحافظ على الوضع النووي القائم."
لكنها لا توضح ما هي الأنشطة التي يشملها هذا الوضع.
فإيران ترفض التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
كما أنها لا تقبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفها جهة رقابية محايدة.
وما لم تُحل هاتان المسألتان، فإن التحقق من أي اتفاق نووي سيظل بالغ الصعوبة، سواء من الناحية التقنية أو السياسية.
وليس الملف النووي وحده هو الذي غيّر طبيعة المفاوضات.
فخلال المواجهات الأخيرة، أظهرت إيران عمليًا قدرتها على التأثير في مضيق هرمز، وهو ما عزز بشكل كبير من قوتها التفاوضية.
فإمكانية إغلاق هذا الممر البحري الضيق، الذي يمر عبره جزء حيوي من تجارة النفط العالمية، ولو لفترة قصيرة، كشفت أيضًا عن قدرة إيران على ممارسة الضغط الاقتصادي.
وقد غيّر ذلك ميزان القوى على طاولة المفاوضات.
ولذلك، فإن إيران هي التي حددت جزءًا كبيرًا من جدول الأعمال في الجولة الأخيرة من المحادثات.
وبينما يتقدم المسار التفاوضي دون حل كامل للبرنامج النووي، أصبح الملف اللبناني في صلب التفاهم.
فطهران تعتبر الحفاظ على نفوذها على حزب الله مكسبًا استراتيجيًا.
كما أنها جعلت من مناطق نفوذها الإقليمية جزءًا من عملية التفاوض.
وتتركز اعتراضات إسرائيل إلى حد كبير عند هذه النقطة.
فحكومة تل أبيب ترى أن إيران حصلت على انفراج دبلوماسي دون أن تتخلى عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
إلى جانب ذلك، فإن احتفاظ حزب الله بقدراته في لبنان، واحتمال وصول الموارد المالية التي ستتحرر مع تخفيف العقوبات إلى حماس، وحزب الله، والحوثيين، والميليشيات الشيعية في العراق، يثير قلق الأوساط الأمنية الإسرائيلية.
غير أن هامش حركة إسرائيل محدود أيضًا.
فاحتضان إدارة ترامب للمسار الدبلوماسي يجعل من الصعب على حكومة نتنياهو معارضة الاتفاق بشكل مباشر.
بل إن اللغة التي تستخدمها واشنطن في الآونة الأخيرة قد شهدت تغيرًا لافتًا.
فبينما يبعث البيت الأبيض برسائل تدعو إلى تعاون منضبط مع إيران، بدأ في الوقت نفسه ينظر بلهجة أكثر انتقادًا إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما في لبنان.
أما دول الخليج، فلها حسابات مختلفة.
فعلى المدى القصير، يُعد تراجع المخاطر في مضيق هرمز تطورًا إيجابيًا بالنسبة للدول المصدرة للطاقة.
لكن السؤال الحقيقي سيطرح بعد انتهاء أجواء التهدئة المؤقتة.
ذلك أن مطالب إيران المتعلقة بالوضع الدائم للمضيق لا تزال قائمة.
وبالنسبة لدول مثل الكويت وقطر والبحرين، التي تملك خيارات محدودة لطرق تصدير بديلة، فإن مضيق هرمز يمثل أحد أهم ركائز أمنها الاقتصادي.
كما أن توجه الولايات المتحدة نحو تقليص وجودها العسكري في المنطقة قد يدفع هذه الدول إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة.
ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الاتفاقات الثنائية، ومزيد من محاولات التوافق الإقليمي، وإلى اتصالات مباشرة مع إيران.
أما في واشنطن، فتسير الانتقادات الموجهة إلى التفاهم في اتجاهين مختلفين.
ففريق يرى أنه جرى تقديم تنازلات أكبر من اللازم لإيران بعد ممارسة الضغط العسكري عليها.
بينما يعتبر فريق آخر أن ما حدث هو النتيجة الحتمية لاستراتيجية صيغت بصورة خاطئة منذ البداية.
وسيؤثر هذا الجدل السياسي الداخلي بصورة مباشرة في هامش الحركة المتاح لإدارة ترامب خلال فترة المفاوضات المقبلة الممتدة ستين يومًا.
كما أن الخطاب الذي يستخدمه الرئيس ترامب يعكس هذا الغموض.
فهو من جهة يركز على الدبلوماسية، لكنه من جهة أخرى يقول:
"إذا لم أكن راضيًا، فسأعود إلى القصف من جديد."
وبذلك يؤكد أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا على الطاولة.
وقد يوفر هذا النهج قدرًا من الردع على المدى القصير.
غير أنه يثير سؤالًا آخر يتعلق بمصداقية الدبلوماسية:
إلى أي مدى يمكن للأطراف أن تثق في عملية تفاوض تستند باستمرار إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية؟
وفي نهاية يونيو/حزيران، ستعود الوفود الفنية إلى طاولة المفاوضات.
وعندها سيبدأ الاختبار الحقيقي.
فالوثيقة الموقعة حتى الآن لم تضع سوى الإطار السياسي العام.
أما تفاصيل نطاق الأنشطة النووية، وآليات الرقابة، والجدول الزمني لرفع العقوبات، ومستقبل مضيق هرمز، فلم تُناقش بعد.
ويقدم تاريخ الملف النووي الإيراني درسًا مهمًا في هذا الشأن.
فسبب استمرار خطة العمل الشاملة المشتركة الموقعة عام 2015 لسنوات، هو أنها كانت تتضمن أحكامًا شديدة التفصيل.
إذ حددت الأطراف بدقة الالتزامات التي يجب تنفيذها، ومواعيد تنفيذ كل منها.
أما التفاهم الحالي، فعلى العكس من ذلك، فقد ترك العديد من القضايا الجوهرية مفتوحة ليجري حلها في المستقبل.
ولهذا السبب، فإن إعادة فتح مضيق هرمز توفر في الوقت الراهن انفراجة مهمة للاقتصاد العالمي.
لكن، من منظور الدبلوماسية، فإن القضية الأساسية تتمثل في كيفية ملء الفراغات التي تركها الاتفاق.
فالستون يومًا المقبلة لن تحدد فقط مستقبل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، بل ستحدد أيضًا الاتجاه الذي ستتشكل وفقه موازين القوى في الشرق الأوسط.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










