
بارتو إكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
وُقّعت في مكة إحدى أهم الاتفاقيات الأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. وبموجبها، ستعتبر تركيا والسعودية وباكستان أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث بمثابة هجوم عليها جميعًا. وما يجعل الاتفاق مهمًا ليس نصه بقدر ما هو توقيته.
تنفق السعودية مليارات الدولارات سنويًا على الأسلحة الأمريكية. وباكستان تراقب الهند، التي تتسلح بسرعة إلى جوارها، وشراكتها الدفاعية المتنامية مع إسرائيل. أما تركيا، فقد خاضت خلال العقد الأخير تجربة أمنية تعليمية للغاية، امتدت من حظر الأسلحة الذي فرضه حلفاؤها، إلى عقوبات قانون «كاتسا» (CAATSA)، وصولًا إلى إخراجها من برنامج مقاتلات F-35.
تصورات الدول الثلاث للتهديد ليست متطابقة، لكن النتيجة التي توصلت إليها تزداد تشابهًا. فعندما تبدأ الأزمة، لا ينبغي أن تنتظروا الإجراءات البيروقراطية لحليفكم.
واتفاق مكة هو إلى حد ما نتيجة للتخلي عن هذا الانتظار.
مشكلة السعودية في الثقة مع أمريكا
لم تنتهِ العلاقات بين الرياض وواشنطن. بل إن البلدين وقّعا خلال الأسابيع الماضية اتفاق «123» الذي يشمل التعاون النووي المدني. لكن الأمن مسألة أخرى.
وقد رأت السعودية ثمن ذلك عدة مرات خلال السنوات الأخيرة. فقد استهدف الحوثيون المدعومون من إيران الأراضي السعودية. وتعرضت منشآت نفطية لهجمات. وأظهرت هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة مدى هشاشة البنية التحتية للطاقة في البلاد. ثم جاءت المرحلة الجديدة من الأزمة مع إيران.
وعلى الرغم من حشد واشنطن قوة عسكرية هائلة في المنطقة، فإن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الرياض لم تتغير: وجود القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة لا يعني أن هذه القدرات ستُستخدم في الوقت الذي تريده السعودية وبالحجم الذي تريده.
والاتفاق مع تركيا، التي تمتلك أحد أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي وصناعة دفاعية سريعة التطور، ومع باكستان التي تمتلك أسلحة نووية وقدرات صاروخية كبيرة، يصب في مصلحتها.
أما السعودية فتضع على الطاولة التمويل والطاقة وثقلها السياسي في العالم العربي.
ماذا يقول النموذج التركي للرياض؟
ما عاشته تركيا خلال العقد الأخير يمثل نموذجًا مهمًا بالنسبة إلى السعودية. فعندما أرادت أنقرة شراء نظام للدفاع الجوي، تفاوضت لسنوات مع حلفائها الغربيين.
وعقب شراء منظومات S-400، أُخرجت تركيا من برنامج F-35 وواجهت عقوبات بموجب قانون «كاتسا».
ولم يكن رد تركيا هو تقليص سياستها الدفاعية. بل على العكس، بدأت في تطوير أنظمتها الخاصة. ولهذا، بات الحديث في اتفاقيات الدفاع المبرمة مع تركيا يدور، أكثر من شراء المنتجات، حول التوطين ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.
وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية للعلاقات التي أقامتها شركات تركية مثل بايكار وأسلسان وروكيتسان مع السعودية.
فالرياض لا تريد الاكتفاء بشراء الطائرة المسيرة التركية.
بل تريد أن تتعلم المنظومة التي أُنتجت فيها تلك التكنولوجيا.
والمسار الذي سلكته تركيا بعد «كاتسا» يتحول إلى أحد النماذج التي يمكن تطبيقها في السعودية.
حسابات باكستان ليست إيران، بل الهند
ولهذا، فإن قراءة اتفاق مكة على أنه «ناتو سني» أُسس مباشرة ضد إيران تظل قراءة ناقصة.
فالمشكلة الأمنية ذات الأولوية بالنسبة إلى باكستان ليست إيران، بل الهند... وفوق ذلك، لم تعد إسلام آباد ترى أمامها الهند القديمة.
فقد زادت نيودلهي ميزانيتها الدفاعية خلال السنوات الأخيرة، وطورت قدراتها الصاروخية، وأقامت شراكة قوية جدًا في مجال التكنولوجيا العسكرية مع إسرائيل. وتعد إسرائيل اليوم واحدة من أهم الشركاء الدفاعيين للهند.
وهناك علاقة تمتد من أنظمة الرادار والدفاع الجوي إلى الطائرات المسيرة والصواريخ والحرب الإلكترونية. والنتيجة الاستراتيجية للتقارب الإسرائيلي-الهندي واضحة جدًا بالنسبة إلى باكستان.
وعلى إسلام آباد أيضًا أن توسع عمقها الاستراتيجي. وتركيا هنا بالفعل واحدة من أقرب شركاء باكستان الدفاعيين منذ سنوات طويلة. أما إضافة السعودية فتغير القدرات الاقتصادية والسياسية للمعادلة برمتها.
توازن جديد بعد اتفاقيات إبراهيم
لفهم ظهور اتفاق مكة، يجب العودة إلى الوراء بضع سنوات. فقد كانت اتفاقيات إبراهيم تهدف إلى إقامة بنية أمنية مختلفة في الشرق الأوسط.
كانت الخطة تقضي بتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وتوسيع العلاقات الاقتصادية، والحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية، ومحاصرة إيران إقليميًا. وكانت السعودية أكبر مكونات هذا المشروع.
وفي حال تطبيع الرياض علاقاتها مع إسرائيل، كان الإطار الجيوسياسي للتقارب الإسرائيلي-العربي سيكتمل إلى حد كبير. لكن حرب غزة غيّرت العملية برمتها.
وعادت القضية الفلسطينية إلى مركز اهتمام الرأي العام العربي. وظلت السعودية متحفظة على التطبيع مع إسرائيل ما لم يتحقق تقدم بشأن إقامة دولة فلسطينية.
وكانت تركيا وباكستان أصلًا تتبنيان مواقف أكثر تشددًا بكثير تجاه إسرائيل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وفي سوريا، ظهر تقارب آخر بين تركيا والسعودية.
وتقاربت مصالح أنقرة والرياض بشكل متزايد بشأن الحفاظ على وحدة الأراضي السورية التي ستُقام بعد الأسد، وتعزيز بنية الدولة المركزية، وإعادة إدماج البلاد في النظام الإقليمي.
وهكذا، هيأت فلسطين وسوريا أرضية سياسية أيضًا للعلاقات الأمنية بين الدول الثلاث.
كانت اتفاقيات إبراهيم قد سعت إلى إدماج إسرائيل في البنية الأمنية الجديدة للعالم العربي.
أما مكة، فقد تكون إحدى أولى الإشارات إلى مركز أمني آخر يمكن إنشاؤه في المنطقة من دون الحاجة إلى إسرائيل.
هل هو تحالف ضد إيران؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية. فمن الواضح أن لدى السعودية مخاوف أمنية جدية بشأن إيران.
فوراء قدرات الحوثيين الصاروخية وقدراتهم في مجال الطائرات المسيرة دعمٌ قدمته طهران على مدى سنوات. كما تنظر الرياض إلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية باعتباره تهديدًا.
لكن سياسة تركيا تجاه إيران مختلفة عن ذلك. فأنقرة لا تنظر إلى إيران باعتبارها عدوًا يجب القضاء عليه.
وقد تكون الدولتان متنافستين في العديد من القضايا، من سوريا إلى العراق، ومن القوقاز إلى سياسات الطاقة. وقد تتعارض مصالحهما بشكل كبير في بعض الأحيان.
لكن بالنسبة إلى تركيا، فإن تفكك إيران أو انجرارها إلى حرب إقليمية واسعة سيؤدي مباشرة إلى مخاطر أمنية. فاندلاع موجة هجرة جديدة قد تدفع ملايين الأشخاص نحو الحدود التركية، وتضرر خطوط الطاقة، وتغير التوازنات في القوقاز، كلها أمور لا تصب في مصلحة أنقرة.
وهذا أيضًا هو سبب دعم تركيا خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
وبالتالي، من الصعب القول إن اتفاق مكة تأسس على عداء مشترك لإيران.
فقوائم التهديدات لدى الدول الثلاث مختلفة.
السعودية تفكر في إيران والحوثيين. وباكستان تفكر في الهند. أما تركيا فتحسب حساب توسع الحروب المحيطة بها، ومجال الحركة العسكرية الإقليمية لإسرائيل، والثغرات الأمنية التي قد تنشأ عن الاعتماد على الخارج.
والشيء الذي جمع الأطراف إلى طاولة واحدة ليس عدوًا مشتركًا بقدر ما هو حاجة مشتركة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










