
بارتو إكن - خبر7 - ترجمة وتحرير ترك برس
ذكّرتني الزيارة السرية التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف إلى موسكو قبل بضعة أيام برحلة مدير آخر للوكالة. نوفمبر/تشرين الثاني 2021. أُرسل مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك وليام بيرنز إلى موسكو. كانت الاستخبارات الأمريكية تتابع حشد الجيش الروسي على الحدود الأوكرانية، وتعتقد أن الكرملين يستعد لغزو واسع. وكانت مهمة بيرنز تتمثل في نقل رسالة واشنطن مباشرة إلى القيادة الروسية: «لا تغزوا أوكرانيا».
وبعد ثلاثة أشهر، دخل الجيش الروسي إلى أوكرانيا. وبعد نحو خمس سنوات، توجه مدير آخر لوكالة الاستخبارات المركزية مجدداً إلى موسكو. ولم يُعلن عن زيارة جون راتكليف للرأي العام مسبقاً. وهبطت طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز C-17 في موسكو. وبعد ذلك شوهد موكب دبلوماسي أمريكي في المدينة. وأكد الكرملين لاحقاً أن راتكليف التقى مسؤولين في الاستخبارات الروسية. ولم يشارك بوتين في الاجتماع، لكنه أُبلغ بنتائجه. وعقب الزيارة، قال ترامب: «روسيا لن تهاجم مكاناً آخر». إلا أن المعلومات الواردة من واشنطن تظهر أن الوضع ليس بهذه البساطة.
مزاعم بشأن خطة سرية للكرملين
تشير أحدث تقييمات الاستخبارات الأمريكية إلى احتمال تغير حسابات بوتين للمخاطر، وأن يصبح أكثر استعداداً للقيام بأعمال استفزازية ضد دول حلف شمال الأطلسي (الناتو). ووفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال»، كانت إحدى مهام راتكليف في موسكو توجيه تحذير مباشر إلى الجانب الروسي بعدم مهاجمة دول الناتو. ولذلك، فإن زيارة موسكو بحد ذاتها لا تمثل مؤشراً على اندلاع حرب.
وبينما كان راتكليف يتوجه إلى موسكو، كانت هناك حركة أخرى في شمال أوروبا. إذ تعمل بولندا ودول البلطيق على تعزيز أمن بنيتها التحتية الحيوية. وأصبحت السدود ومنشآت الكهرباء والبنية التحتية للغاز الطبيعي تحظى بحماية أكثر تشدداً. والسيناريو الذي تركز عليه الاستخبارات الليتوانية لافت بشكل خاص. إذ يُقيّم احتمال أن تستخدم موسكو طائرات مسيرة أوكرانية الصنع استولت عليها، لتنفيذ هجوم على أراضي الناتو، ثم خلق انطباع بأن الهجوم نفذته أوكرانيا. وقد لا يكون الهدف إرسال الدبابات مباشرة إلى وارسو أو فيلنيوس، بل اختبار الناتو.
تكثف أنشطة التخريب
في مطلع الشهر الماضي، لفتت محاولة مهاجمة طائرة شحن من طراز «أنطونوف» في مدينة لايبزيغ الألمانية، كانت تنقل معدات عسكرية من فرنسا، الانتباه. ووفقاً لتقييم وكالة الاستخبارات المركزية، تقف روسيا وراء الحادثة. إذ اصطدمت طائرة مسيرة تحمل متفجرات بالطائرة، لكنها لم تنفجر. ولم تتهم الحكومة الألمانية موسكو رسمياً، لكنها أعلنت عقب الحادثة أن التهديد الأمني ارتفع إلى مستوى جديد.
كما يجري التحقيق في محاولات إحراق وتخريب استهدفت منشآت للصناعات الدفاعية في مناطق أخرى من أوروبا. ووفقاً لتقييمات سرية نقلتها صحيفة «واشنطن بوست»، يعتقد الكرملين أن الولايات المتحدة أصبحت تحت ضغط عسكري وسياسي أكبر بسبب حربها مع إيران. وإذا كانت موسكو تجري فعلاً مثل هذا الحساب، فيمكن القول إن نافذة فرصة مؤقتة قد تكون متاحة أمام بوتين. فمخزونات الذخيرة الأمريكية تتعرض لضغوط، بينما بدأت الدول الأوروبية حديثاً في زيادة قدراتها الدفاعية. وإذا اعتقد بوتين أن واشنطن لا تريد الدخول في أزمة جديدة في أوروبا، فقد يقدم على تحمل المزيد من المخاطر.
اختبار صاروخ باليستي عابر للقارات
بعد أيام قليلة من زيارة راتكليف، نشرت روسيا مشهداً آخر. فقد أُطلق صاروخ باليستي عابر للقارات، متنقل ويعمل بالوقود الصلب، من قاعدة بليسيتسك. ولم تكشف وزارة الدفاع الروسية اسم المنظومة. وتذكر اللقطات والمنصة المتنقلة المستخدمة بمنظومة «RS-24 يارس». ووصلت الرؤوس الحربية التدريبية للصاروخ إلى ميدان كورا للاختبارات في كامتشاتكا، على بعد نحو 6 آلاف و700 كيلومتر. وتقول روسيا إن الأمر يتعلق بنشاط تدريبي وتقني مخطط له للتحقق من جاهزية النظام. وقد يكون الأمر كذلك، لكن توقيت الاختبار يمكن أن يكون أيضاً جزءاً من الرسالة في مجال الردع النووي.
وفي الأسبوع الذي كان يجري فيه الحديث عن توجيه مدير وكالة الاستخبارات المركزية تحذيراً بشأن الناتو في موسكو، فإن إظهار روسيا لقواتها الصاروخية الاستراتيجية يكتسب، رغماً عن ذلك، معنى سياسياً. وفي الوقت نفسه، تقول موسكو إنها لا تنوي مهاجمة الناتو. وهنا أيضاً تدخل ذاكرة أوروبا في المعادلة. فقد كانت روسيا تنفي ادعاءات الغرب بشأن الغزو قبل أن تضم خُمس مساحة أوكرانيا.
وبينما تحدث كل هذه التطورات، تواصل الطائرات المسيرة الانتحارية الروسية ضرب كييف. وفي المقابل، تحاول أوكرانيا زيادة قدرتها على تنفيذ هجمات في عمق الأراضي الروسية بصورة استثنائية. ويتمثل أحد أهداف كييف في الاقتراب من امتلاك قدرة إنتاجية تتيح لها استخدام آلاف الأنظمة غير المأهولة يومياً في الهجمات على الأراضي الروسية.
ويقول زيلينسكي إن خسائر روسيا ستزداد إذا لم تحقق موسكو تقدماً بشأن السلام. بينما تقول روسيا إن محادثات السلام معلقة فعلياً. ويظهر لنا هذا المشهد أمراً مهماً. فالطرفان لا يقللان من عملياتهما العسكرية من أجل الاقتراب من طاولة السلام. بل على العكس، يحاول كل طرف زيادة تكلفة الطرف الآخر، من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع أقوى. وهذا يخلق صورة تبدو أقرب إلى مرحلة جديدة من التصعيد منها إلى المرحلة الأخيرة من الحرب.
هل ستهاجم روسيا الناتو؟
لا توجد لدينا أدلة واضحة وقاطعة تظهر أن روسيا قررت غزو دول البلطيق أو فنلندا. علاوة على ذلك، فإن مثل هذا الهجوم سيكون مختلفاً تماماً بالنسبة إلى روسيا عن حرب أوكرانيا. فإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا وبولندا أعضاء في حلف الناتو. ومن الناحية النظرية، سيحمل أي هجوم خطر الدخول في مواجهة مع الحلف بأكمله. وموسكو تدرك ما يعنيه ذلك. ولهذا السبب، قد لا يتمثل الخطر الأكثر واقعية في المرحلة الأولى في عبور جيش بري روسي ضخم حدود دول البلطيق.
هجمات هجينة، وأعمال تخريب، وانتهاكات بطائرات مسيرة، وكابلات بحرية، وحرب إلكترونية، واستفزازات حدودية. عمليات يمكن أن يظل مرتكبها موضع جدل. أفعال صغيرة إلى درجة تجعل الناتو يتردد في الرد عليها، لكنها كبيرة إلى درجة لا يمكنه تجاهلها. وهذا تحديداً ما يجعل زيارة راتكليف إلى موسكو مهمة. فربما تحاول واشنطن إظهار خط أحمر جديد لبوتين: لا تختبروا الناتو.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











