ترك برس

تدخل الدراما التركية موسمها الجديد بأكثر من 20 عملا مرتقبا، وسط منافسة شرسة لا تحسمها النجومية وحدها، بل تتحكم فيها نسب المشاهدة، والعائد الإعلاني، وارتفاع تكاليف الإنتاج، في سوق لم يعد يمنح المسلسلات وقتا طويلا لإثبات نفسها.

لكنّ الرقم الكبير لا يعني بالضرورة أن السوق يعيش أفضل حالاته. فخلف هذا الكم من المسلسلات توجد معادلة أكثر تعقيدا: تكاليف إنتاج ترتفع، إعلانات تواجه ضغوطا، وقنوات لم تعد تملك رفاهية منح المسلسل وقتا طويلا حتى يجد جمهوره.

في عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، واجه قطاع الدراما التركية فترة صعبة اقتصاديا. ووفق تقارير متخصصة في السوق التركي، تجاوزت تكلفة إنتاج الحلقة الجديدة في بعض الأعمال 30 مليون ليرة تركية، بينما تدور الميزانيات التي تستطيع القنوات تخصيصها للمسلسلات الجديدة حول 24 مليون ليرة. كما أدت صعوبات سوق الإعلان إلى تأجيل أو إلغاء عدد من المشاريع، بحسب "الجزيرة نت".

سوق مزدحم.. ومشاهد واحد

في التلفزيون التركي، لا ينتظر المسلسل طويلا حتى يثبت قدرته على جذب الجمهور. فالمشاهدة ليست مجرد رقم صحفي يظهر في اليوم التالي، بل واحدة من أهم الأدوات التي تستخدمها القنوات لتقييم قيمة العمل وقدرته على الاستمرار.

فنظام قياس المشاهدة في تركيا تديره "تياك" (TİAK)، فيما تتولى "كانتار ميديا" (Kantar Media) جمع بيانات المشاهدة عبر أجهزة توضع لدى عائلات مختارة، ثم تُحوّل البيانات إلى أرقام الـ"ريتنغ" (Rating) والـ"شير" (Share)، التي تعتمد عليها القنوات والمعلنون في تقييم أداء المسلسلات.

ويشير الـ"ريتنغ" إلى حجم المشاهدة، بينما يوضح الـ"شير" حصة المسلسل من إجمالي المشاهدة في وقت عرضه.

لذلك لا يكفي أن يقال إن المسلسل جيد أو يضم نجما معروفا. السؤال الذي يهم القناة هو: "كم شخصا يشاهده؟ وهل هذا الجمهور يكفي ليبرر استمرار دفع ملايين الليرات لإنتاج الحلقة التالية؟" لا سيما وأن المعادلة أصبحت أكثر تعقيدا مع ارتفاع تكلفة الحلقة.

فحتى العمل الذي يحقق حضورا جيدا لدى الجمهور يمكن أن يواجه مشكلة إذا لم يستطع جذب ما يكفي من الإعلانات.

وقد شهد الموسم الماضي مثالا لافتا مع مسلسل "فندق الأحلام" الذي تصدر يوم عرضه في نسب المشاهدة، لكنّ مشكلته كانت في ضعف العائد الإعلاني مقارنة بتكلفة الإنتاج.

وهذا يوضح لماذا لا يمكن اختصار قرارات القنوات في عبارة "الريتنغ منخفض". فهناك حساب آخر يجري خلف الشاشة: كم يكلف المسلسل؟ وكم يحقق من مشاهدة؟ وكم يستطيع أن يحقق عوائد من الإعلانات؟

النجوم لم يعودوا ضمانة

النجومية نفسها لم تعد تكفي لحماية العمل من النهاية المبكرة. فالموسم الماضي شهد أعمالا انتهت بعد عدد محدود من الحلقات، رغم وجود أسماء معروفة وميزانيات مرتفعة. ومن الأمثلة مسلسل "دليكانلي" (Delikanlı) الذي انتهى بعد 7 حلقات.

فيما انتهى "الغريب في المرآة" (Aynadaki Yabancı) عند الحلقة السابعة أيضا، بينما توقف "لا تبكي يا إسطنبول" (Sen Ağlama İstanbul) عند الحلقة الثامنة.

هذه النهايات لا تعني أن كل هذه الأعمال فشلت للأسباب نفسها، لكنها تكشف تغيرا واضحا في السوق، فالمسلسل لم يعد يحصل بالضرورة على وقت طويل لبناء جمهوره. لكنّ هذا لا يعني أن الجمهور التركي فقد اهتمامه بالمسلسلات.

فالموسم التلفزيوني لعامي 2025-2026 انتهى بـ36 مسلسلا، وتمكّن بعضها من تحقيق أرقام قوية جدا.

وتصدر "هذا البحر سيفيض" الموسم بمتوسط 13.55 في فئة 20+ABC1، بعدما بدأ بنسبة 4.52 فقط قبل أن يصل لاحقا إلى 17.52. وجاء "المدينة البعيدة" (Uzak Şehir) أيضا بين الأعمال الأعلى مشاهدة.

فالمشكلة هنا ليست غياب الجمهور، بل حدة المنافسة على هذا الجمهور.

وفي الحالتين، تكون الأسابيع الأولى أكثر أهمية، لأن القناة تقارن باستمرار بين تكلفة الاستمرار وما تحصل عليه في المقابل.

من منافسة القنوات إلى منافسة الوقت

التغيير الأكبر لا يتعلق فقط بعدد المسلسلات التي تنتجها القنوات، بل بعدد الخيارات الموجودة أمام المشاهد.

فالمنافسة لم تعد محصورة بين القنوات التركية في وقت الذروة. المنصات الرقمية أصبحت جزءا من المشهد، والمشاهد يستطيع أن ينتقل بين مسلسل تركي جديد، وعمل أجنبي، ومسلسل قديم، ومحتوى قصير على الهاتف، من دون أن يكون مضطرا لانتظار موعد العرض التلفزيوني.

وهذا يغير قيمة "المشاهدة" نفسها. فالقناة تتنافس اليوم ليس فقط مع قناة أخرى تعرض مسلسلا في التوقيت نفسه، وإنما مع كل ما يستطيع المشاهد أن يمنحه وقته. وهل يستطيع الجمهور فعلا متابعة هذا الكم؟

تضخم أم منافسة؟

رغم كثرة الأعمال، قد يكون من المبكر وصف المشهد بأنه "تضخم إنتاج". فالدراما التركية لا تزال قادرة على صناعة نجاحات كبيرة، والموسم الماضي شهد أعمالا حققت نسب مشاهدة مرتفعة، فيما تدخُل أكثر من 20 دراما جديدة سباق الموسم المقبل.

المسألة ليست في عدد المسلسلات، بل في قدرة السوق على تمويلها، والقنوات على إبقائها، والجمهور على متابعتها. فمع اشتداد المنافسة، قد تحصل بعض الأعمال على فرصة قصيرة قبل أن تجد نفسها أمام قرار النهاية.

وفي المقابل، تبقى كثرة الإنتاج وسيلة للبحث عن النجاح التالي. لذلك لا تواجه الدراما التركية أزمة في نقص الأعمال، بقدر ما تواجه سوقا مزدحما ومشاهدا يملك خيارات أكثر ووقتا أقل.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!