ترك برس

لطالما احتلت كلمة «الحرية» مكانة مركزية في الخطاب الثقافي الغربي، سواء تعلق الأمر بحرية الفنان أو حرية التعبير أو استقلالية المؤسسات. وقد أُقيمت حول هذه الكلمة مهرجانات وبيناليات ومتاحف وحفلات توزيع جوائز، وأُلقيت خطابات لا تُحصى تمجد قدرة الفن على مساءلة السلطة وكسر مناطق الراحة. 

غير أن السنوات الثلاث الأخيرة كشفت بوضوح حدود هذه الحرية، وغالباً ما كان اسم فلسطين هو الخط الذي يبدأ عنده التراجع. وفي هذا السياق، يقرأ الكاتب صامد كاراغوز في مقاله بصحيفة «يني شفق» حادثتين حديثتين تكشفان الثمن الذي يدفعه من يجرؤ على الحديث عن فلسطين في الساحة الثقافية الغربية.

يتوقف كاراغوز عند ما حدث في مهرجان البندقية السينمائي، حيث فاز فيلم «نازا» للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل سزور بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. ويُذكر أن الثنائي نفسه كان قد قدم سابقاً فيلم «لا أرض أخرى»، أما عملهما الجديد فيعتمد على شهادات 24 شخصاً خدموا في الجيش والمخابرات الإسرائيليين، ليكشف آليات استهداف المدنيين في غزة. 

والمفارقة أن صانعي الفيلم إسرائيليان، وأن عنوانه مستمد من اختصار تستخدمه المخابرات الإسرائيلية للإشارة إلى المدنيين المتوقع قتلهم في هجوم ما. ورغم أن المهرجان نفسه قدم الفيلم بوصفه كشفاً للنظام الذي يقف خلف قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة، فإن رد الفعل الإسرائيلي الرسمي جاء قاسياً. 

فقد اتهم وزير الثقافة ميخي زوهار المخرجين بـ«الخيانة العظمى» وأعلن نيته السعي لإسقاط جنسيتهما، بينما وصف بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه «استفزاز صادم». وهنا لا يرى الكاتب مجرد نقد فني حاد، بل استخداماً لسلطة الدولة لتهديد المواطنة بسبب عمل فني ينتقد سياسات الحكومة.

وفي الوقت نفسه تقريباً، شهد الجانب الآخر من الأطلسي حادثة مختلفة في ظاهرها. فقد أُقصي مغني الراب ماكليمور من الجولات المتبقية ضمن جولة إد شيران في الولايات المتحدة، بسبب كلمة ألقاها في الرابع من أيلول/سبتمبر على مسرح ملعب ميتلايف دعا فيها إلى «حرية فلسطين» وأكد أن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية لم يُنسَوا. وأوضح منظمو الجولة أن بعض الملاعب أبلغت بأنها لن تسمح بإقامة الحفلات إذا اعتلى ماكليمور المسرح.

ويرى كاراغوز أن الحادثتين، رغم اختلاف أدواتهما – دولة في الأولى، وشركات خاصة وملاعب واقتصاد الجولات في الثانية – تؤديان إلى النتيجة ذاتها: الحديث عن فلسطين له ثمن. أحياناً تفرضه الدولة، وأحياناً يفرضه السوق. وهذه في نظره القضية الجوهرية التي ينبغي أن يناقشها العالم الثقافي اليوم.

يذكر الكاتب أن الخطاب السائد ظل لسنوات يؤكد أن دور الفنان هو إزعاج السلطة وطرح الأسئلة وكسر البديهيات. وقد قدمت المؤسسات الثقافية الغربية الكبرى نفسها حامية طبيعية لهذه الحرية، وسارعت إلى إصدار بيانات التضامن كلما تعرض فنانون في دول أخرى لقمع حكومي. 

أما حين يتعلق الأمر بفلسطين، فإن اللغة تتغير فجأة. تحل محل «حرية التعبير» مصطلحات مثل «المخاطرة المؤسسية» و«الأمن» و«أصحاب المصلحة» و«الرعاة» و«حساسية الجمهور». ولم تعد الرقابة تعني بالضرورة موظفاً حكومياً يزيل عملاً من على الجدار؛ يكفي أحياناً حجب القاعة أو سحب الدعوة أو قطع التمويل أو الاستبعاد من البرنامج. إنها رقابة معقمة، غالباً ما يصعب تحديد المسؤول عنها.

ويؤكد كاراغوز أهمية حالة فيلم «نازا» تحديداً، لأن المنتقدين هذه المرة ليسوا «أعداء» خارجيين، بل مواطنان إسرائيليان يستندان إلى شهادات من داخل المنظومة نفسها. فإذا لم يعد بإمكان الفنان مساءلة دولته، فماذا يتبقى من الوظيفة النقدية للفن؟ وفي حالة ماكليمور يطرح السؤال ذاته: من يحدد حدود الحرية السياسية على المسرح إذا كان قول «حرية فلسطين» كافياً لاستبعاد فنان من أكبر الجولات العالمية؟

في النهاية، يرى الكاتب أن المشكلة ليست في تخلي العالم الثقافي الغربي عن فكرة الحرية، بل في ممارستها بشكل انتقائي. وفلسطين هي ما يجعل هذه الانتقائية مرئية للعيان. ولهذا فإن عبارة «حرية فلسطين» لم تعد مجرد شعار سياسي، بل باتت امتحاناً بسيطاً ومباشراً يُطرح على هذا العالم الثقافي: هل الحرية التي تدافعون عنها هي حقاً للجميع؟

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!