
ترك برس
في مقال تحليلي في صحيفة «صباح»، استعرض الكاتب التركي أوكان مدرس أوغلو جملة من القضايا المترابطة التي تمس جوهر الاقتصاد الرقمي وحماية الأجيال الجديدة.
ينطلق الكاتب من تجربة شخصية ليطرح أسئلة جوهرية حول نموذج الأعمال الذي تتبعه شركات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، ثم ينتقل إلى مقارنة بين النهج التركي والأوروبي في حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي.
يبدأ مدرس أوغلو بتلقيه رسالة إلكترونية من منصة «تشات جي بي تي» تعلن عن بدء عرض الإعلانات في الخطط المجانية والمدفوعة جزئياً. يوضح أن الإعلانات لن تكون مخصصة في المرحلة الأولى، لكنها ستعتمد على موضوع المحادثة وموقع المستخدم ونوع جهازه، كما ستزود المعلنين ببيانات مجمعة عن المشاهدات والنقرات.
هنا يطرح الكاتب سؤاله المحوري: إذا كانت البيانات السلوكية للمستخدم تساهم اقتصادياً في توليد الإيرادات الإعلانية، فهل يحق للمنصة الاستئثار بهذا القيمة كاملة دون أي شكل من أشكال تقاسم الإيرادات أو دفع مقابل حقوقي؟ يرى أن المستخدم هو من ينتج مجموعة البيانات التي تجعل الإعلان يصل إليه، فلماذا يظل هذا القيمة محصوراً بين المنصة والمعلن فقط؟
يربط الكاتب هذا النموذج بما اعتاده عمالقة مثل «ميتا» و«غوغل»، اللذان يقومان على استلام البيانات مجاناً ومعالجتها ثم بيعها للمعلنين، ويرفضان أي نموذج لتقاسم الإيرادات بحجة أنه سيؤثر على ربحيتهما.
يرد مدرس أوغلو على حجتهم الشهيرة بأن تقاسم الإيرادات سيفرض تحويل الخدمات إلى مدفوعة، مشيراً إلى أن المستخدم في حالة الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يحصل على خدمة مجانية فحسب، بل يشارك فعلياً في عملية تدريب النموذج. فهو يصحح الأخطاء، ويوجه المصادر، ويختبر المنهجيات، ويكشف الهلوسات، ويطالب بالتحقق من المعلومات، كل ذلك دون أن يتقاضى أي مقابل. بذلك يصبح المستخدم شريكاً في «تعليم» النظام، لا مجرد مستفيد منه.
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى ملف آخر لا يقل أهمية، وهو حماية الأطفال في البيئة الرقمية، مستعرضاً التطورات التركية والأوروبية. يشير إلى أن تركيا اعتمدت نهجاً صارماً بدءاً من الأول من نوفمبر، يحظر على منصات التواصل الاجتماعي تقديم خدمات لمن هم دون الخامسة عشرة حتى لو حصلوا على موافقة الوالدين، ويفرض تمييزاً في المحتوى لمن هم بين 15 و18 عاماً، مع إلزام الشركات بآلية تحقق من العمر والهوية عبر بوابة الحكومة الإلكترونية.
أما الاتحاد الأوروبي فيتبنى نموذجاً تدريجياً يحظر تماماً من هم دون 13 عاماً، ويسمح بحسابات محدودة تحت رقابة الوالدين لمن هم بين 13 و15، مع العمل على تطوير «محفظة الهوية الرقمية» وترك الشركات تبني بنيتها التحتية للتحقق.
يخلص مدرس أوغلو إلى أن تركيا تدخل مرحلة جديدة في مواجهة تصاميم الإدمان التي تروج لها منصات التواصل والألعاب، مشيداً بالجهود التي بذلتها وزيرة الأسرة محينور أوزدمير غوكتاش في هذا الملف.
ويؤكد أن هذه المعارك، سواء كانت حول حقوق البيانات أو حماية الصغار، تتطلب بحثاً مستمراً وكشفاً للمنطق الخفي وراء الخوارزميات، وصولاً إلى فرض قواعد عادلة تحمي المستخدم والمجتمع على حد سواء.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











