أرسين تتار (الرئيس السابق لقبرص التركية) - خبر تورك ـ ترجمة وتحرير ترك برس

إن تقييم القضية القبرصية انطلاقاً من الخلافات السياسية التي شهدها نصف القرن الأخير وحده، يظل تقييماً ناقصاً. فقد كانت الجزيرة، على مر التاريخ، إحدى بؤر الصراع على الهيمنة في شرق البحر المتوسط، وظلت حاضرة باستمرار في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى في مختلف العصور، نظراً إلى وقوعها عند تقاطع الطرق البحرية بين الأناضول وبلاد الشام ومصر وأوروبا. ورغم أن التكنولوجيا ومصادر الطاقة وبنية الأمن قد تغيرت اليوم، فإن جغرافية قبرص لم تتغير.

إن جمهورية شمال قبرص التركية، التي أعلنت تأسيسها عام 1983، دولة فتية، غير أن القيمة الاستراتيجية للجغرافيا التي تقوم عليها تشكل جزءاً من استمرارية تاريخية تمتد لآلاف السنين. فموقعها المقابل مباشرة للسواحل الجنوبية للأناضول، وإمكانية الوصول منها إلى المجالين البحري والجوي لشرق البحر المتوسط، وقربها من طرق التجارة المتطورة عبر قناة السويس، والأهمية التي اكتسبتها اليوم مكامن الطاقة ومناطق الصلاحية البحرية، تجعل جمهورية شمال قبرص التركية، بالنسبة إلى تركيا، أكثر من مجرد منطقة تربطها بها علاقات تاريخية ومجتمعية، إذ تحولت أيضاً إلى أحد العناصر الرئيسية في بنية الأمن بشرق البحر المتوسط.

غير أن التاريخ السياسي للقضية القبرصية يذكرنا أيضاً بمسألة مهمة، وهي أن النهج الحالي للجانب التركي القائم على حل الدولتين لم يظهر من دون تجربة فكرة الفيدرالية.

لم يكن النظام الدستوري لجمهورية قبرص عام 1960 دولة فيدرالية بالمعنى التقليدي. لكنه أرسى، في الوقت نفسه، نموذجاً خاصاً للشراكة وتقاسم السلطة، ينص على مشاركة الطائفتين اليونانية والتركية في الحكم بهويتيهما المؤسسيتين المنفصلتين، مع تنظيم صلاحيات الطائفتين بضمانات دستورية. وقد جرى تقييم هذا الهيكل في أدبيات العلوم السياسية باعتباره دولة شراكة أو نظاماً توافقياً، فيما اعتبرته بعض الدراسات نموذجاً دستورياً فريداً من نوعه يحمل خصائص فيدرالية وظيفية.

أما تحوّل نظام الشراكة إلى حالة من التعطل الفعلي بعد عام 1963، والتطورات التي انتهت إلى عملية السلام العسكرية القبرصية عام 1974، فقد غيّرا مستقبل هذا الهيكل الذي لم يكن قائماً على أساس جغرافي. وفي الوقت الذي تركز فيه القبارصة الأتراك في الشمال والقبارصة اليونانيون في الجنوب، أخذ النموذج الذي جرى التفاوض عليه يتحول تدريجياً إلى فيدرالية قائمة على أساس جغرافي.

وكان إعلان قيام الدولة الفيدرالية القبرصية التركية عام 1975 أول خطوة ملموسة في هذا الاتجاه. فقد أوضحت الدولة الفيدرالية القبرصية التركية، انطلاقاً من اسمها، أن الهدف السياسي للجانب القبرصي التركي في تلك المرحلة كان يتمثل في تشكيل الجناح الفيدرالي التركي للاتحاد الفيدرالي المزمع إنشاؤه مستقبلاً.

وقد حوّل اتفاق القمة المؤلف من أربع نقاط، الذي توصل إليه رؤوف دنكطاش ورئيس الأساقفة مكاريوس، في 12 فبراير/شباط 1977، تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم، هدف إقامة جمهورية فيدرالية مستقلة وغير منحازة وثنائية الطائفتين، إلى إطار رسمي لعملية التفاوض، إلى جانب المبادئ المتعلقة بالأراضي الخاضعة لإدارة كل طائفة. أما اتفاق القمة المؤلف من عشر نقاط، الذي توصل إليه دنكطاش وسبيروس كيبريانو في 19 مايو/أيار 1979، فقد أكد مبادئ عام 1977، ووسّع جدول أعمال المفاوضات المتعلقة بالبحث عن حل شامل.

وهكذا، تحددت إلى حد كبير المفاهيم الرئيسية لمساعي الحل على مدى العقود التالية، وهي: ثنائية المناطق، وثنائية الطائفتين، والمساواة السياسية، والشراكة الفيدرالية.

كما دعمت تركيا الحل الفيدرالي خلال هذه الفترة. وكان الأمر الحاسم بالنسبة إلى أنقرة هو عدم تحويل القبارصة الأتراك إلى أقلية دستورية ضمن الأغلبية اليونانية، وضمان مساواتهم السياسية في الهيكل الذي سيُقام، والحفاظ على ثنائية المناطق، وأن تراعي الترتيبات الأمنية التجارب التاريخية للشعب القبرصي التركي.

وفي هذا الإطار، جرت على مر السنين عمليات تفاوض عديدة. فقد جرى تطوير معايير الأمم المتحدة، وإعداد خطط للحل، وتغير القادة، كما نوقشت الخرائط والنماذج الدستورية.

وشكلت خطة أنان لعام 2004 المثال الأكثر تفصيلاً لمساعي التوصل إلى حل فيدرالي. فقد نصت الخطة على إقامة دولتين مؤسستين متساويتين في الوضع، ضمن هيكل يتمتع بشخصية قانونية دولية واحدة. وفي استفتاءين منفصلين أُجريا بالتزامن في 24 أبريل/نيسان 2004، صوّت 64.9 في المئة من القبارصة الأتراك بـ«نعم» للخطة، فيما صوّت 75.8 في المئة من القبارصة اليونانيين بـ«لا».

أما مؤتمر كرانس مونتانا عام 2017، فقد عمّق بصورة حاسمة الشكوك، في أنقرة والأوساط السياسية القبرصية التركية، بشأن قابلية النموذج الفيدرالي للاستمرار. وبعد فشل المؤتمر في التوصل إلى نتائج، بدأ الجانب التركي يعبّر بصورة أكثر وضوحاً وتدريجياً عن رأيه القائل إن إعادة التفاوض إلى أجل غير مسمى بشأن الصيغة الفيدرالية نفسها لن تفضي إلى نتائج بعد الآن. ومنذ عام 2020، طرحت أنقرة بوضوح في بياناتها الرسمية مفهوم «المساواة في السيادة» الذي كنت قد طرحته، ودافعت عنه دعماً لرأي مفاده أن خيار الفيدرالية قد استُنفد.

ومع الرؤية الجديدة التي طرحتها عقب الانتخابات الرئاسية في جمهورية شمال قبرص التركية عام 2020، تغير النموذج بصورة واضحة: فلم يعد الهدف إقامة فيدرالية، بل إقامة علاقة تعاون بين دولتين تقومان على المساواة في السيادة والمكانة الدولية المتساوية.

وهنا تكتسب مواقف تركيا أهمية خاصة. فمنذ اللحظة التي طرح فيها الجانب القبرصي التركي بوضوح منظور حل الدولتين، لم تكتفِ أنقرة بدعم هذا النهج، بل أصبحت المدافع الأقوى عنه على المنصات الدبلوماسية. ففي يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2021، تبنت تركيا بوضوح أطروحة حل الدولتين والمساواة في السيادة، وفي أبريل/نيسان 2021، قدمت دعماً كاملاً للرؤية الجديدة للحل التي طرحتها للمرة الأولى على الأمم المتحدة خلال الاجتماع غير الرسمي في جنيف بصيغة 5+الأمم المتحدة.

وكانت الأطروحة التي طُرحت في جنيف تستند في الواقع إلى نموذج بسيط: إذا كانت مفاوضات الفيدرالية التي استمرت قرابة نصف قرن لم تتمكن من إنتاج دولة فيدرالية مشتركة، فيجب أولاً الاعتراف بالمساواة في السيادة والمكانة الدولية المتساوية للشعب القبرصي التركي، ثم يتعين على الطرفين في الجزيرة التفاوض بشأن إقامة علاقة تعاون بين دولتين.

وفي عام 2025، تكثفت الاجتماعات غير الرسمية الموسعة بالتزامن مع أعمال الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة، ماريا أنخيلا هولغوين كويّار، وتمكن الطرفان من التوصل إلى تفاهم بشأن بعض الخطوات الرامية إلى بناء الثقة. غير أن هذه الاتصالات لم تتمكن من إنتاج أرضية مشتركة تتيح العودة إلى المفاوضات الرسمية، كما سجلت وزارة الخارجية التركية في بيانها الصادر في 29 يوليو/تموز 2026، أن الأرضية المشتركة بين الطرفين في الجزيرة من أجل التوصل إلى حل لا تزال غير موجودة.

وبطبيعة الحال، لا يزال جزء مهم من المجتمع الدولي والأمم المتحدة يعتمد إطار الفيدرالية ثنائية الطائفتين وثنائية المناطق مرجعاً له، كما أن جمهورية شمال قبرص التركية لا تحظى اليوم باعتراف دولي، باستثناء تركيا. ومن ثم، فإن المسألة الدبلوماسية الأساسية التي تواجه رؤية حل الدولتين لا تتمثل في التعبير عن هذا النهج بوصفه مجرد مطلب سياسي فحسب، بل في التمكن من إنشاء أرضية قانونية واقتصادية قادرة على توضيح الأسباب التي تجعل هذا النهج نموذجاً مستداماً للتوافق بالنسبة إلى المجتمع الدولي.

أما تركيا، فلم تغير سياستها حتى عام 2026. فما زالت أنقرة تدعم أطروحة الحل القائمة على أساس المساواة في السيادة والمكانة الدولية المتساوية للشعب القبرصي التركي، وتدافع عن أن النماذج التي جرى تجريبها على مدى عقود قد استُنفدت.

إن حل الدولتين ليس مجرد مسألة اعتراف. فتعزيز القدرة على الصمود الاقتصادي لجمهورية شمال قبرص التركية، وتقوية مؤسساتها، والارتقاء بسيادة القانون والمعايير الديمقراطية، وتنويع روابطها الدولية، ولا سيما في مجالي التعليم العالي والطاقة، ينبغي أن تكون أجزاء لا تتجزأ من هذه الدبلوماسية. ذلك أن تأثير الدول في السياسة الدولية لا ينبع فقط من الأطروحات التي تدافع عنها، بل أيضاً من قدراتها المؤسسية والاقتصادية التي تطرحها.

كانت قبرص في الماضي جزيرة استراتيجية تتقاطع فيها الأساطيل والطرق التجارية. أما اليوم، فهي تقع في قلب خطوط الطاقة ومناطق الصلاحية البحرية والبنية الدفاعية والتنافس الجيوسياسي بين ثلاث قارات.

ولهذا السبب، ينبغي قراءة العلاقات بين أنقرة ولَفكوشا، ليس فقط من خلال قضايا الأمن في الماضي، بل أيضاً من منظور المشاركة في بناء نظام شرق البحر المتوسط في المستقبل.

ولعل هذا هو الدرس الذي خلّفه تاريخ المفاوضات الممتد لنصف قرن: فمهما بدا نموذج الحل مثالياً من الناحية النظرية، فإنه لا يكون مستداماً إذا لم يرَ أحد الطرفين نفسه شريكاً متساوياً وآمناً ضمن ذلك الهيكل.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية المقبلة في قبرص، بما يتجاوز الجدل حول «الفيدرالية أم الدولتين؟»: أي نموذج يمكنه أن يضمن بصورة دائمة المساواة في السيادة والأمن للشعب القبرصي التركي؟

وينبغي النظر إلى رؤية الحل التي توصلت إليها تركيا والجانب القبرصي التركي بعد هذه التجربة التاريخية الطويلة، والقائمة على أساس المساواة في السيادة والمكانة الدولية المتساوية للشعب القبرصي التركي، باعتبارها نموذجاً دبلوماسياً جديداً.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!