
ترك برس
يشهد المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا وأوروبا والشرق الأوسط تحولات عميقة تعكس أزمات متراكمة وتحديات هيكلية، وهو ما يستعرضه الكاتب غولدنر سونوموت، الصحفي والكاتب في صحيفة ملييت التركية، في تحليل معمق يحمل عنوان «تشريح المأساة الاجتماعية على الطريقة الفرنسية من منظور جوبيتر».
يستند الكاتب إلى وقائع الشارع الفرنسي والتحولات الانتخابية الأوروبية والوضع في إسرائيل ليقدم قراءة نقدية للتطورات الجارية، مركزاً على الفجوة بين النخبة الحاكمة والمواطنين العاديين، وعلى الآثار المحتملة لهذه الأزمات على استقرار القارة الأوروبية والإقليم.
يرى الكاتب أن شوارع فرنسا شهدت الأسبوع الماضي مشاهد مؤسفة من الاشتباطات والاحتجاجات، حيث خرج طلاب الثانوية والجامعات والعمال وورثة حركة «السترات الصفراء» ليبنوا المتاريس احتجاجاً على التضخم المرتفع وتقليص الخدمات العامة وتآكل القوة الشرائية والشعور بغياب المستقبل.
ويشير إلى أن الشعارات التاريخية الفرنسية «الحرية والمساواة والأخوة» قد حلت محلها في فرنسا الحديثة، بحسب وصفه، مفردات «الزيادة والضريبة واليأس». ويؤكد سونوموت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يلقبه الصحفيون ومنافسوه بـ«جوبيتر»، لم يتمكن حتى الآن من إيجاد حلول للفجوة الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تخترق أوصال الجمهورية الفرنسية.
ويوضح أن المشكلات لن تُحل بالطبع بالحجارة المرمية على قوات الأمن أو بمحلات النهب، لكن الشباب الفرنسي القلق من نقص التجهيزات في المدارس ونظام الامتحانات غير الواضح، والذي يدرك أنه سيدخل طابور البطالة بعد التخرج، ينقل غضبه بشكل طبيعي إلى الشوارع.
ويصف الكاتب موقف الرئيس ماكرون بأنه يراقب الشارع من عرشه العالي بتكبر تكنوقراطي وأسلوب نخبوي معتاد، فيشخص الوضع قائلاً إن الطلاب محقون بالطبع لكنهم يُستفَزّون من قبل تيارات سياسية متطرفة.
ويعلق سونوموت بسخرية على هذا الخطاب، مشيراً إلى أن الشعب الفرنسي كلما طالب بحقوقه يُتهم إما بالوقوع في فخ المتطرفين أو بعدم فهم العولمة بما يكفي من وجهة نظر ماكرون. ويرى الكاتب أن هذا التكبر المستمر، بدل الاستماع إلى صرخات الشعب، يحكم على الديمقراطية الفرنسية بدورة كارثية، إذ يجفف الأصوات المعتدلة في الوسط ويدفع الناخبين إلى الاختيار بين طرفين متطرفين: اليسار الراديكالي الذي لا يتردد في إشعال الشارع، واليمين الراديكالي الذي يسوّق للتسلط تحت شعار النظام.
ويخلص إلى أن فرنسا، بفضل ما يسميه «الماكرونية»، لم تعد تعيش منافسة سياسية متواضعة، بل يُجبر الناخب في كل انتخابات على الاختيار بين «الأقل سوءاً» أو «الأكثر تطرفاً». ويحذر، مستنداً إلى مقال للكاتب لوك دو باروشيه في مجلة «إلكسبرس»، من أن دخول فرنسا في أزمة اقتصادية قد يجر أوروبا كلها، وأن اختيار الشعب الفرنسي بين مارين لوبان وجان لوك ميلنشون قد يدفع البلاد نحو مزيد من الفوضى.
وينتقل الكاتب إلى السياق الأوروبي الأوسع، فيشير إلى أن عام 2027 سيشهد موجة انتخابية كبيرة قادرة على هز التوازنات السياسية من جذورها، تشمل الانتخابات الفرنسية التي ستفتح أبواب مرحلة ما بعد ماكرون، والانتخابات العامة في فنلندا وبولندا وإيطاليا، والانتخابات المحلية الحاسمة في ألمانيا، بالإضافة إلى انعكاسات الانتخابات النصفية الأمريكية على الجيوسياسة العالمية، مما ينذر بتغيرات هيكلية جذرية في التحالف الغربي.
وفي مقابل هذه الحركية في الغرب، يلاحظ سونوموت أن الوضع في قلب الشرق الأوسط مختلف تماماً. فرغم انشغال الإعلام العالمي بمسألة بقاء بنيامين نتنياهو رئيساً للوزراء أم لا، يرى المحللون، بحسب الكاتب، أن ذلك لن يحدث تغييراً كبيراً في الخطوط الرئيسية لإسرائيل. ويشرح أن إسرائيل تشهد منذ عام 1995، وخاصة بعد اغتيال إسحاق رابين وما تلاه من اجتهاد بنك مزراحي، تحولاً سوسيولوجياً عميقاً، تشدد مع الانتفاضة الثانية عام 2000 وانحاز تماماً نحو اليمين بعد أحداث السابع من أكتوبر، حتى أصبح الرأي العام الإسرائيلي يشكل سياسة الدولة بشكل دائم. ويؤكد أن السياسة الأمنية الصارمة تحولت إلى إجماع اجتماعي، بحيث إن تغير زعماء المعارضة لن يغير من استمرار النظام القائم والسياسة اليمينية حتى لو رحل نتنياهو.
وبهذا يقدم الكاتب صورة مترابطة لأزمة فرنسية داخلية تتغذى على الفجوة بين النخبة والشعب، وتنعكس على مستقبل أوروبا الانتخابي، بينما تبدو الديناميكيات في إسرائيل أكثر استقراراً حول محور أمني يميني راسخ، مما يرسم ملامح مرحلة انتقالية محفوفة بالتحديات في الغرب والشرق معاً.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











