ترك برس

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية أسلوب الإدارة القائم على الإقالة العلنية والاستعراض السياسي، في وقت تتفاقم فيه تكاليف الحرب مع إيران وتضغط الانتخابات النصفية الحرجة. وفي هذا الإطار، يقدّم الكاتب التركي أرطغرل جينجيل في مقال نشره موقع "خبر7" قراءة ترى أن ما يجري ليس مجرد تغييرات إدارية روتينية، بل سياسة تصفية ممنهجة تحول البيت الأبيض إلى مسرح واقع، وتضع الولاء فوق الكفاءة، وتمتد حتى إلى البنتاغون، مع تداعيات تضعف الذاكرة المؤسسية وتكشف هشاشة الإدارة قبيل استحقاق انتخابي حاسم.

يرى الكاتب أن ترامب لم يتخلّ عن «أداء الإقالة» الذي يستخدمه كأداة استعراض قوة، ويستمر في ممارسته كأسلوب حكم. ويستشهد بآخر حالات الانفصال داخل فريقه، وهي كاتي زاخاريا التي لم تدم في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض سوى خمسة أيام فقط. ويوضح أن ترامب كان قد أشاد بها علناً كـ«محامية»، قبل أن يتبين أنها لم تجتز امتحان نقابة المحامين، ولا تملك رخصة مزاولة المهنة في أي ولاية، فضلاً عن هفوة شهيرة وصفت فيها ترامب بـ«زوجي» في مؤتمرها الصحفي الأول. ويشير إلى أنها اضطرت إلى الاستقالة في 16 أكتوبر بتوجيه من ترامب بعد تصاعد الجدل حولها، معتبراً أن تحول شخصية دعمها الرئيس علناً إلى شخصية مثيرة للجدل في أيام قليلة يكشف هشاشة إدارة التواصل في البيت الأبيض. ويستذكر الكاتب تجربة أنتوني سكاراموتشي عام 2017 الذي لم يدم في منصب مدير التواصل سوى أحد عشر يوماً، ليؤكد أن اختيار من يتحدث باسم أقوى دولة في العالم أصبح مثالاً صارخاً على تغليب الولاء على الكفاءة.

وينتقل الكاتب إلى البعد الدبلوماسي، فيشير إلى أن أسلوب الإقالة لا يقتصر على واشنطن، مستشهداً بإجبار سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل، الخطيبة السابقة لابن ترامب الأكبر ووجه من وجوه حركة ماغا، على الاستقالة تحت ضغط ترامب بسبب فضائح متتالية. وينقل عن وثائق صحيفة وول ستريت جورنال أنها طلبت من أحد المتبرعين لترامب سداد دين بطاقة ائتمان شخصية بقيمة 100 ألف دولار مقابل وعد بالوصول المباشر إلى البيت الأبيض، وأنها أدخلت لوبيي البناء إلى اجتماعات رسمية وحاولت استخدام النفوذ الأمريكي كأداة تهديد ضد الحكومة اليونانية. ويذكر أن ترامب نأى بنفسه عنها أمام الكاميرات قائلاً إنها «خرجت مع ابني منذ زمن طويل وليست من أفراد عائلتي».

ويعمق الكاتب تحليله بجذور هذا الأسلوب، فيرى أن الإقالة لم تكن يوماً لدى ترامب مجرد إجراء إداري، بل امتداد لشخصيته التلفزيونية في برنامج «المتدرب» على شبكة إن بي سي، حيث كانت عبارة «أنت مطرود!» تمثل ذروة السلطة وتحدد مصير المتسابقين. ويؤكد أن ترامب حمل دور «الPatron» من الاستوديو إلى البيت الأبيض، فأقام في ولايته الأولى عروضاً للقوة بإقالة وزراء ومستشارين بارزين مثل ريكس تيلرسون وجيمس كومي وجيمس ماتيس وجون بولتون وجيف سيشنز ورينس بريبوس. ويستند إلى بيانات معهد بروكينغز التي أظهرت أن 60 من أصل 65 منصباً رفيعاً شهدت تغييراً في الولاية الأولى، أي بنسبة دوران قياسية بلغت 92 في المئة.

أما في الولاية الثانية، فيعتبر الكاتب أن «ريح الإقالة» تحولت إلى مسرح قوة مؤسسي. ويشير إلى أن ترامب بدأ بتصفية نحو ثلاثين مسؤولاً استخباراتياً رفيعاً، ثم شهدت الإدارة انسحاب إيلون ماسك من رئاسة وزارة كفاءة الحكومة بعد خلاف حاد، وإقالة وزيرة العدل بام بوندي، واستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت بعد انتقاده إسرائيل، وخروج وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، إلى جانب أسماء أخرى مثل لوري تشافيز-ديريمر وتولسي غابارد. ويلاحظ أن نسبة التغيير في مجلس الوزراء بلغت 20 في المئة، وفي الفريق الرفيع 56 في المئة، محولاً البيت الأبيض إلى استوديو واقع ذي ضحايا كثيرين وتقييمات عالية.

ويمتد التحليل إلى البنتاغون، حيث يرى الكاتب أن وزير الدفاع بيت هيغسيث، السائر على خطى ترامب، نفذ عملية إقالة ليلية شملت ثلاثة جنرالات كبار من بينهم قائد القوات البرية راندي جورج، وأقصى أو همّش أكثر من عشرين اسماً بارزاً، بما في ذلك قائدة البحرية ليزا فرانشيتي. ويشير إلى أن هيغسيث يخطط لخفض نسبة الجنرالات والأميرات بنسبة 20 في المئة، ويمارس «تطهيراً أيديولوجياً» بذهنية «صليبية»، يقيد تنوع الجيش ويحبسه في هواجس إنجيلية وقومية مسيحية، مقصياً العقول العسكرية التي تحذر من المخاطر غير المتكافئة في الساحة الإيرانية. ويرى أن هذه السياسة تغطي على الأزمة الجيوسياسية العميقة والخسائر العسكرية المتزايدة في مضيق هرمز بمشاهد قوة زائفة.

ويختتم الكاتب بأن ترامب يدير السياسة كبرنامج واقع والدولة كشركة والزملاء ككومبارس يمكن التخلص منهم في أي لحظة، ساعياً إلى رسم صورة القائد الحاسم الذي لا يتردد في التضحية بأقرب المقربين. غير أنه يؤكد أن موجات التصفية، رغم تسويقها كدليل على السلطة المطلقة، تزيد في الواقع من هشاشة الإدارة وتقضي على الذاكرة المؤسسية وتحول الجهاز الحكومي إلى مسرح ولاء. ويشير إلى أن استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات النصفية الجارية تظهر أن عروض الإقالة لن تكفي للحفاظ على صورة القوة، خاصة مع فاتورة حرب إيران الثقيلة والفضائح المحيطة بالدائرة المقربة. ويخلص إلى أن أعظم استعراض قوة في السياسة ليس القدرة على إقالة الجميع، بل القدرة على الاحتفاظ بالمنصب حين يحين وقت المحاسبة، وأن صناديق الاقتراع في الثالث من نوفمبر ستحدد ما إذا كان ترامب سيصبح «بطة عرجاء»، مؤكداً أن سياسة التصفية التي تقدم الولاء على الكفاءة والقوة على عقل الدولة لن تفلح في تغطية هزيمة انتخابية مرتقبة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!