ترك برس

تناول تقرير للكاتب والمحلل السياسي التركي سلجوق تورك يلماز، الموقف الألماني من إسرائيل بعد فوز حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الانتخابات، على خلفية تصريحات زعيم الحزب، فريدريش ميرتس، التي رفض فيها الامتثال لأمر الاعتقال الصادر بحق بنيامين نتنياهو، مما يعكس استمرار الدعم الألماني غير المشروط لإسرائيل رغم انتهاكاتها للقانون الدولي.

وناقش التقرير الذي نشرته صحيفة يني شفق دور ألمانيا في تعزيز المشاريع الاستعمارية الإسرائيلية، معتبرًا أن دعمها يتجاوز الشعور بالذنب تجاه الهولوكوست، ليصبح جزءًا من منظومة التوسع الغربي في الشرق الأوسط.

ورصد الكاتب التحولات الأيديولوجية في النظام العالمي، مشيرًا إلى تراجع الديمقراطية الليبرالية كنموذج مهيمن، وتفكك التصور الغربي الموحد، خاصة في ظل صعود قوى جديدة وتغير موازين القوى الدولية.

وفيما يلي نص التقرير:

في أعقاب فوز حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في الانتخابات بألمانيا، كان أحد أول التصريحات التي أدلى بها زعيم الحزب متعلقًا بالعلاقات مع إسرائيل. فقد أكَّد ميرتس، رفضه الامتثال لأمر الاعتقال الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، معلنا بذلك العالم بأسره أنه لن يعترف بهذا القرار، حيث قال: "أعتقد أن فكرة عدم تمكن رئيس وزراء إسرائيلي من زيارة ألمانيا هي فكرة سخيفة تمامًا". ومنذ السابع من أكتوبر 2023، ورغم ارتكاب إسرائيل جرائم إبادة جماعية، تواصل ألمانيا دعمها اللامحدود لإسرائيل، متحديةً بذلك المجتمع الدولي، ولسوء الحظ فإن هذا الموقف يعني فعليًا تورطها في مشاريع التوسع الاستعماري لإسرائيل، وكذلك للولايات المتحدة وبريطانيا.

لقد قدمت ألمانيا دعمًا واسعًا لإسرائيل على مختلف الأصعدة، حتى أنها أعلنت صراحة أنها تعتبر فلسطين بمثابة "مختبر" لتطوير التكنولوجيا العسكرية. ولم يكن هذا الموقف الواضح مقتصرًا على الدوائر السياسية فحسب، بل حظي أيضًا بدعم شخصيات فكرية بارزة على مستوى العالم، وخاصة يورغن هابرماس. لذلك لم يكن تصريح ميرتس، الذي ينطوي على انتهاك صريح للقانون الدولي مثيرًا للدهشة.

وكما حاولتُ أن أوضح عدة مرات سابقاً، فإن ربط إصرار ألمانيا على دعم إسرائيل بشعورها بالذنب حيال الهولوكوست ليس تحليلًا دقيقًا. فالهولوكوست كان مشكلة داخلية ضمن حضارةٍ شارك فيها اليهود أنفسهم. وقد عبّر إيمي سيزار في كتابه "خطاب حول الاستعمار"، عن هذه المسألة بوضوح، حيث أوضح أن الأوروبيين بمن فيهم اليهود كانوا يعتبرون جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا بحق اليهود، قضية داخلية تخصهم وحدهم. ووفقًا لسيزار، فإن ما لم يتمكن الأوروبيون من غفرانه لهتلر لم يكن ارتكابه هذه الجرائم بحد ذاتها، بل كونه أقدم على فعل ما كان يُرتكب عادةً ضد "الآخرين"، لكن هذه المرة بحق "الرجل الأبيض" نفسه.

لقد ارتكبت إسرائيل في غزة جميع الجرائم التي ارتكبها الغرب الأوروبي ضد الحضارات الأخرى في تاريخه المروع الذي امتد لخمسة قرون، وقامت بتوسيعها لتشمل الضفة الغربية. أما ألمانيا، فلم تشعر بأي حاجة لإخفاء دورها في سياسات التوسع الإسرائيلي، بل انخرطت فيها بشكل مباشر. ومع ذلك، فإننا أمام وضع جديد؛ لقد انهار النظام العالمي الذي تشكل بانتصار الولايات المتحدة وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية، وكان هذا النظام قائمًا على افتراضين رئيسيين: تفوق الولايات المتحدة وبريطانيا، وضمان انتصار الإسرائيلي الدائم.

كانت الأيديولوجية التي يقوم عليها النظام الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا هي الديمقراطية الليبرالية. ومنذ عام 1991، أرسلت الولايات المتحدة وبريطانيا جيوشهما هذه المرة لنشر هذه الأيديولوجية في العالم التركي والإسلامي. هذه الفترة لم تصبح بعد جزءًا من التاريخ، ولكن الهجوم الأيديولوجي لم يقتصر على القوة العسكرية وحدها، فقد برز ممثلو الليبرالية الديمقراطية في تركيا بقوة، وأخضعوا الحركات الفكرية ومنظمات المجتمع المدني لتحول جذري. كما استفادت الحركات الدينية الجديدة مثل تنظيم "غولن" الإرهابي بشكل كبير من هذا الوضع الجديد. حيث تحالف مع الليبراليين وتبنى رؤية ترتكز على إيمان راسخ بالحضارة الغربية. لقد شنوا حملة دعائية قوية مفادها أنه "ينبغي علينا تبنّي جميع مؤسسات هذه الحضارة،". ولم يكن ذلك كافيًا بالنسبة لهم، إذ كانوا يرون أنه لا بد من الاندماج الكامل في المنظومة الغربية. وبالعودة إلى الوراء اليوم، يمكننا أن نرى هذه الموجة عودة لأنماط التفكير التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر. وفي هذا السياق، كان الليبراليون والجماعات الدينية الجديدة أكثر رجعية من أسلافهم، ولكن روح العصر كانت تدعمهم، واليوم من الطبيعي أن نتوقع من نفس هذه الأوساط أن تصبح "معارضة" لأنفسها.

يجب أن نولي أهمية كبيرة لتصريحات الرئيس أردوغان بأن "الديمقراطية الليبرالية وصلت إلى طريق مسدود". ولكن الأهم هو النظر إلى هذا التصريح من خلال البعد المتعلق بالدول الأوروبية والولايات المتحدة ضمن النظام الذي أنشأته الولايات المتحدة وبريطانيا. لم يكن الهدف الأساسي من تصدير الديمقراطية الليبرالية مختلفًا عن التوسع في القرن التاسع عشر، ففي ذلك الوقت أيضًا كان الغرب يؤمن بأنه يحمل "التحضر" إلى الشعوب الأخرى. ووفقًا لروديارد كيبلينج، كان على غير الغربيين أن يكونوا مدينين للرجل الأبيض لإيصال الحضارة إليهم. وبنفس المنطق، تبنى الليبراليون الديمقراطيون هذه النظرة، معتبرين أن الشعوب الأخرى مدينة لهم، وهو ما انعكس على مواقف ممثليهم في الداخل. ففي تركيا تبنّى الليبراليون وأتباع تنظيم "غولن" الإرهابي هذه الأيديولوجيا في التسعينيات، ولم يترددوا في إظهار عدائهم للفلسطينيين بشكل صريح، إذ كانوا يرون في إسرائيل ممثلًا للحضارة الغربية في الشرق، لكن حين رفض الفلسطينيون الاستسلام، بدأ النظام الذي استند إلى هذه الفرضية في التصدع وكان على وشك الانهيار، ولذلك فإن تبني ألمانيا موقفًا عدائيًا تجاه المؤسسات الدولية التي تعدّ ركائز الديمقراطية الليبرالية، أمر بالغ الأهمية.

ولا ينبغي النظر إلى موقف ألمانيا، أو أي دولة غربية أخرى، المعادي لركائز الليبرالية الديمقراطية على أنه تناقض في السياسات، بل هو مؤشر على تحولات أخرى، ويمكن القول إن الوحدة الأيديولوجية التي تشكل التصور الغربي بدأت تتلاشى.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!