
إسلام الغمري - خاص ترك برس
في زنازين الاحتلال الإسرائيلي الباردة، حيث يُسلب الضوء وتُقيد الحرية، تتشكل حكايات لا تليق إلا بالأبطال. هناك، خلف القضبان، يُصنع تاريخ آخر لفلسطين، تاريخ يُكتب بدموع الأمهات، وصبر الشيوخ، وإرادة لا تلين. الأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد سجناء، بل هم طليعة المقاومة ورموز الكرامة، يقاومون بصدورهم العارية وسطوة عزيمتهم، متجاوزين كل محاولات الاحتلال لكسر إرادتهم.
قصة الأسير المحرر ضياء زكريا الأغا، الملقب بـ”عميد أسرى غزة”، ليست سوى فصل واحد في ملحمة صمود شعب يرفض الاستسلام، شعب يحمل في قلبه شعارًا لا يتغير: “النصر أو النصر”.
معول المقاومة.. بداية الحكاية
ضياء الأغا، ابن خان يونس، لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة عندما قرر أن يكون جزءًا من المقاومة. عام 1992، حمل معولًا زراعيًا، ليس حرثًا للأرض، بل تنفيذًا لعملية بطولية استهدفت مستوطنة “غوش قطيف”، أسفرت عن مقتل ضابط إسرائيلي بارز في وحدة “سيرت متكال”، إحدى وحدات النخبة في جيش الاحتلال. كان ذلك المعول رسالة واضحة: حتى بوسائل بسيطة، يمكن للمقاومة أن تُوجع المحتل.
لكن الثمن كان باهظًا. اعتقل ضياء، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، ليدخل رحلة طويلة من المعاناة خلف القضبان، حيث أراد الاحتلال أن يجعل منه رقمًا في سجونه، لكنه أصبح رمزًا يتردد اسمه في ساحات النضال.
ثلاثة عقود من الأسر.. ولم ينكسر
داخل السجون، لم يستسلم ضياء للظروف القاسية. رغم الألم، قاوم بوسيلته الخاصة: العلم والثقافة. حصل على شهادة الثانوية العامة، ثم تخرج من جامعة القدس المفتوحة بتخصص التاريخ، ليؤكد أن الاحتلال قد يقيد الجسد لكنه لا يستطيع أن يسجن الفكر.
لكن معاناة ضياء لم تكن فردية، بل كانت معاناة عائلته بأكملها، وخصوصًا والدته التي حُرمت من رؤيته لسنوات طويلة. كان من المفترض أن يتم إطلاق سراحه عام 2014 ضمن صفقة الإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو، لكن الاحتلال كعادته نكث بوعوده، وأبقاه أسيرًا حتى أفرج عنه أخيرًا في فبراير 2025، ضمن صفقة تبادل. كان اللقاء بين ضياء ووالدته لحظة تختزل عقودًا من الألم والصبر، لكنها لم تكن نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة من النضال.
ضياء ليس وحده.. آلاف الأسرى ينتظرون الحرية
ضياء الأغا ليس استثناءً، بل هو واحد من آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يعيشون خلف القضبان في ظروف إنسانية قاسية. ثمانية عشر أسيرًا غيره لا يزالون محتجزين منذ ما قبل اتفاق أوسلو، بعضهم تجاوز الثلاثين عامًا في الأسر، وأكثر من خمسمائة أسير يقضون أحكامًا بالسجن المؤبد، في عقوبات لا سقف زمني لها، تُمارسها إسرائيل فقط ضد الفلسطينيين.
يواجه هؤلاء الأسرى التعذيب الجسدي والنفسي، الحرمان من الزيارات العائلية، والإهمال الطبي المتعمد، بينما تعيش عائلاتهم في الخارج ألم الانتظار والقلق المستمر. لكن رغم كل هذه المآسي، لم ينكسروا، ولم يرفعوا الراية البيضاء.
أسرى فلسطين.. رموز المقاومة وأيقونات العزة
الأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد أرقام في سجلات الاحتلال، بل هم عناوين للمقاومة والكرامة. كل أسير هو قصة بطولة، وكل عائلة أسير هي مدرسة في التضحية والصبر. الأمهات اللواتي يزرعن الأمل في قلوب أبنائهن، والأطفال الذين يكبرون على حلم لقاء آبائهم، والشيوخ الذين لا يزالون ينتظرون رغم مرور العقود، جميعهم يشكلون جزءًا من ملحمة الصمود الفلسطيني.
ضياء الأغا، الذي قاوم بمعول زراعي قبل أكثر من ثلاثين عامًا، عاد إلى أحضان والدته رجلًا صلبًا لم تنل منه السجون، ليؤكد أن الحرية ليست مجرد حلم، بل هي وعد لا بد أن يتحقق، وأن “ما ضاع حق وراءه مقاوم”.
خاتمة: الحرية ليست خيارًا بل قدرٌ محتوم
إن معاناة الأسرى الفلسطينيين ليست مجرد قصص فردية، بل هي شاهد على ظلم الاحتلال وإرادة شعب يرفض الهزيمة. ثلاثون عامًا في الأسر لم تقتل روح ضياء، ولم تضعف عزيمة من لا يزالون خلف القضبان. النصر ليس وهمًا، والحرية ليست مستحيلة، بل هي حتمية تاريخية يدفع ثمنها الأبطال بأعمارهم وتضحياتهم.
إلى كل أسير فلسطيني خلف القضبان: أنتم منارات العزة، وصوتكم سيظل أعلى من جدران السجون. وإلى الاحتلال نقول: هذه الأرض ليست لكم، ولن يكون لها غير أهلها، مهما طال الزمن.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس