ترك برس

أثارت عملية اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في 19 مارس/آذار 2025، جدلاً واسعاً في تركيا، حيث توالت التساؤلات حول دوافعها بين التهم الجنائية والتوجهات السياسية. خطوة اعتقاله تأتي في وقت حساس، مما يسلط الضوء على تأثيراتها المحتملة على المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد.

وذكر مقال على موقع "ميدان"، أن توقيف رئيس بلدية إسطنبول "أكرم إمام أوغلو"، كانت "خطوة مفاجئة لم يتوقعها أكثر الحالمين والمتفائلين، وهي الواقعة التي تسببت في حالة كبيرة من التوترات الداخلية في البلاد، يمكن تصويرها وتشبيهها بـ"الزلزال السياسي" الذي صدّع أركان المعارضة، وتركها جثة هامدة تحت الأنقاض".

وأضاف كاتب المقال أحمد درويش، أنه "تبقى تساؤلات موجودة وتفرض نفسها بقوة، أكان ما حدث انقلابًا على الرئيس القادم للبلاد، أم إجراء مُستحقاً في إطار تحقيق العدالة ومعاقبة المخالفين للقانون؟ وغير ذلك كثير من التساؤلات التي تمتلئ بها جعبة المتحيّرين أمام هذا المشهد المفاجئ في كل تفاصيله المتشابكة".

وفيما يلي تتمة المقال:

لا شك أن حملة الاعتقالات أثارت حالة واسعة من الجدل؛ فبينما رآها البعض محاولة من قبل الحكومة -وتحديدًا من الرئيس التركي "أردوغان"- للحيلولة دون ترشح منافسه الأبرز للرئاسة "إمام أوغلو"، اعتبرها آخرون واحدة من أكبر عمليات مكافحة الفساد ودعم الإرهاب في تاريخ تركيا، ففي أي كفة منهما هي يا تُرى؟!

أول الخيط

أحد أبرز التطورات التي أسهمت في تسريع التحقيقات كان انتشار مقطع فيديو مسرب قبل قرابة عام، يظهر فيه عدة أشخاص داخل مقر تابع لحزب الشعب الجمهوري في إسطنبول، وهم يخرجون مبالغ نقدية ضخمة من حقائب سوداء، ويرصونها على الطاولات من أجل عدّها، ومن بينهم "فاتح كيليتش"، الذي يلقبه البعض بـ"الصندوق الأسود" لإمام أوغلو بحكم قربه الشديد منه، منذ أن كان الأخير رئيسًا لبلدية "بيليك دوزو" قبل عدة سنوات.

واللافت أن هذا المقطع قد نشره شخص يُدعى "أركان تشاكير"، وهو الرئيس السابق لفرع الشباب في حزب الشعب الجمهوري في ولاية "موش"، وقد أثار نشره هذا المقطع ضجة كبيرة وجدلًا واسعًا في الساحة  السياسية، وعلى إثره دعت الحكومة إلى فتح تحقيق موسع لمعرفة مصدر الأموال وما يدور حولها.

وتوصلت النيابة إلى أن هذه الأموال عبارة عن رشاوى مالية، مصدرها تحويلات غير مشروعة من شركات متعاقدة مع بلدية إسطنبول الكبرى، نظير حصولها على مناقصات مشبوهة.

وتُشير التحقيقات إلى أن 14 عقارًا في منطقة "أياغزا" في منطقة "ساريير" في إسطنبول تم بيعها في ديسمبر/ كانون الأول 2019 لصالح حزب الشعب الجمهوري، وأن هذه العمليات تمت بتنسيق بين شخصيات بارزة في البلدية ورجال أعمال على صلة بالحزب.

وشملت الاعتقالات التي تلت هذه الفضيحة مسؤولين بارزين في بلدية إسطنبول الكبرى، من بينهم "نجاتي أوزكان" مدير حملة إمام أوغلو، و"جان أكين شاغلار" مدير عام البلدية، و"مراد عباس" مدير عام الثقافة في البلدية، إضافة إلى رجال أعمال ومتعهدين يشتبه بتورطهم في عمليات غسل أموال ورشاوى.

التهم الموجهة لإمام أوغلو

بعد اعتقال إمام أوغلو تم البدء باستجوابه مع المشتبه بهم، ووفقًا لبيان صادر عن مكتب المدعي العام في إسطنبول، فإن التحقيقات استهدفت شبكة فساد كبيرة داخل بلدية إسطنبول الكبرى، يُعتقد أنها استفادت من المناقصات والعقود العامة بشكل غير قانوني، إلى جانب تحقيق منفصل بشأن تسهيلات قدمتها البلدية لعناصر تابعين لمنظمة حزب العمال الكردستاني -التنظيم المصنف إرهابيًّا في تركيا- للوصول إلى مناصب رسمية في مؤسسات الدولة.

وبحسب تحقيقات النيابة العامة، فإن إمام أوغلو يواجه عدة تهم رئيسية، أبرزها: قيادة منظمة إجرامية، والرشوة، والاحتيال الشديد، والاستحواذ غير القانوني على البيانات الشخصية، وتزوير المناقصات، والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة.

وتستند النيابة في اتهاماتها إلى أدلة عديدة تشمل وثائق مالية، وتحويلات بنكية مشبوهة، وتسجيلات مصورة ومواد رقمية، إضافة إلى شهادات بعض المسؤولين الذين جرى استجوابهم في ذات القضية.

وقد أفادت مصادر صحفية بأن رئيس بلدية بيليك دوزو المعتقل "محمد مراد تشاليك" قد يصبح شاهدًا رئيسيًّا في التحقيقات، بعد أن طلب المساعدة قبل أشهر من السلطات المختصة، معترفًا بارتكاب مخالفات بمشاركة "إمام أوغلو" وبتوجيه مباشر منه.

ووفقًا للمعلومات المتداولة، فقد سلّمت جهات داخل بلدية إسطنبول الكبرى وثائق مهمة وخطيرة للسلطات التركية، ما أدى إلى اعتقال رئيس بلدية بشيكتاش "رضا أكبولات"، الذي قرر هو الآخر التعاون مع المحققين، والتحول من متهم إلى شاهد في القضية -نظير تخفيف العقوبة الموقعة عليه كما ينص القانون التركي-، وتشير التقارير إلى أنه كتب اعترافات تفصيلية بخط يده مكونة من 40 صفحة، تضمنت معلومات دقيقة حول مخالفات صارخة داخل كل من بلدية إسطنبول وحزب الشعب الجمهوري، وأكدّ أيضًا أنها تمت بمشاركته بعد تلقي تعليمات مباشرة من أكرم إمام أوغلو.

تهمة دعم الإرهاب

إلى جانب تحقيقات الفساد، يواجه إمام أوغلو اتهامات منفصلة تتعلق بعلاقته بحزب العمال الكردستاني، وذلك في إطار ما يُعرف بـ"الاتفاق الحضري"، الذي جرى خلال الانتخابات المحلية الأخيرة بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الديمقراطية ومساواة الشعوب، الذراع السياسية للأكراد المسلحين، ويقتضي هذا الاتفاق تعاون الأحزاب المختلفة بعضها مع البعض، لتقديم مرشحين في الولايات والمناطق المختلفة.

ووفقًا لتحقيقات النيابة، فإن هذا الاتفاق أتاح لأشخاص مرتبطين بحزب العمال الكردستاني الترشح ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري لمجالس البلدية، ما سهّل لهم الوصول إلى مناصب إدارية داخل البلديات الكبرى. وفقًا للبيانات التي حصلت عليها السلطات، فإن 10 مسؤولين في بلدية إسطنبول الكبرى، بينهم نائبا رئيس بلدية كل من "أتاشهير" و"كارتال"، و8 أعضاء في مجلس البلدية، وردت أسماؤهم في قاعدة بيانات حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب، وأثبتت التحقيقات أن بعضهم مرتبط بشكل مباشر بمنظمة حزب العمال الكردستاني.

تعاظم حجم الفساد المالي

تشير التحقيقات إلى أن حجم الفساد المالي المتورط فيه مسؤولون داخل بلدية إسطنبول الكبرى -وعلى رأسهم إمام أوغلو- يبلغ 560 مليار ليرة تركية، حيث تورطت شركات تابعة للبلدية في مخالفات تشمل التلاعب بالمناقصات والاحتيال المالي، وغيرها من الممارسات غير المشروعة.

وقد كشفت التحقيقات الجارية بشأن مسألة الفساد المالي عبر الابتزاز واستغلال النفوذ عن قضية مثيرة، تتعلق بمحاولة ابتزاز وطلب رشوة من مالكي مركز "كاباسيتي مول" التجاري، الذي يُعد أحد أبرز وأهم مراكز التسوق في المدينة.

ووفقًا لوثائق الادعاء، فإن "إرتان يلدز" رئيس لجنة الشراكات في مجلس بلدية إسطنبول، بالإضافة إلى "سليمان أتيك"، وهو أحد المسؤولين المتهمين في القضية، طالبا إدارة المركز التجاري بدفع رشوة قدرها 5 ملايين يورو مقابل عدم إصدار قرار إداري يفيد بأن المبنى غير مقاوم للزلازل. وعندما رفضت إدارة المركز التجاري الاستجابة لمطلب الرشوة، قامت البلدية بفرض غرامة مالية ضخمة على المول بقيمة 197 مليون ليرة تركية.

زلة لسان ولكنها فاضحة

في مشهد شبه دراماتيكي إلى حد ما، نقف أمام واقعة لا تحدث كثيرًا في مثل هذه الظروف المشتعلة، ففي نفس اليوم الذي تم فيه اعتقال رئيس بلدية إسطنبول "أكرم إمام أوغلو"، شارك النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري "سيزجين تانري كولو" في مداخلة تلفزيونية عبر قناة "Halk TV"، التابعة لحزب الشعب الجمهوري المعارض، وأثناء حديثه على الهواء خرجت منه بعض الكلمات التي اعتبرها البعض "زلة لسان" غير مقصودة، ولكنها كشفت عن خطة المعارضة التركية، وأكدت التهم الموجهة لأكرم إمام أوغلو.

فقد قال هذا النائب أثناء مداخلته على الهواء نصًّا: "كنا على علم مسبق بهذه التحقيقات التي تستهدف أكرم إمام أوغلو، لذلك صممنا فكرة الانتخابات الرئاسية التمهيدية داخل الحزب؛ لاختياره كمرشح رئاسي وإخراجه من هذه التحقيقات".. وبالتالي، فالخطة التي تم إعدادها داخل أروقة حزب الشعب الجمهوري كانت كالآتي:

بعد أن تم القبض على رؤساء بعض البلديات الفرعية في إطار التحقيقات الجارية، أدرك الحزب أن الدور قادم لا محالة على أكرم إمام أوغلو، فأرادوا أن يلجؤوا إلى حيلة يمكن من خلالها منع اعتقاله أو الاقتراب منه، فتوصلوا إلى فكرة إعلان الترشح الرئاسي في أقرب وقت ممكن، من أجل إحراج السلطة ودفعها للتفكير جيدًا قبل الإقدام على خطوة اعتقاله، لأنهم يعلمون أن واقعة الاعتقال سوف تجعل الدولة في مأزق حقيقي، وسيكون لها تبعات على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولكن لم تنجح خطتهم وباغتتهم الدولة، وتم اعتقال إمام أوغلو قبل اختياره كمرشح للرئاسة بـ4 أيام فقط.

تداعيات الاعتقال سياسيًّا واقتصاديًّا

يُشكل اعتقال إمام أوغلو نقطة تحول في المشهد السياسي التركي؛ فقد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب القوى داخل المعارضة، وقد تؤدي هذه التطورات إلى خلافات داخل حزب الشعب الجمهوري بشأن مرشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة في ظل ظهور شخصية بارزة أخرى داخل الحزب، وهو رئيس بلدية أنقرة "منصور يافاش".

ومن ناحية أخرى، قد يؤدي الاعتقال إلى تعزيز موقف الرئيس أردوغان، خاصة بين أنصاره الذين يرون في هذه الخطوة دليلًا على حزمه، وعدم تسامحه مع الفساد وإهدار المال العام المخصص لخدمة المواطنين.

وفيما يتعلق بالاقتصاد، فقد شهدت الليرة التركية تراجعًا فور الإعلان عن اعتقال إمام أوغلو، حيث انخفضت قيمتها أمام الدولار بنحو 11% قبل أن تقلص خسائرها بنحو 5.5%، حيث اضطر البنك المركزي إلى ضخ نحو 8 مليارات دولار بحسب ما ذكرت وكالة رويترز.

وفي آخر إحصائية نقلًا عن وكالة "خبر تورك" فقد قام البنك المركزي التركي ببيع 26 مليار دولار من رصيده الاحتياطي خلال الأيام الثلاثة الماضية لتخفيف حدة انهيار سعر الليرة التركية، وذلك على إثر القبض على أكرم إمام أوغلو.

ويخشى مراقبون اقتصاديون من أن يؤدي هذا الوضع إلى تراجع ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد التركي، ما قد يؤثر على تدفقات رأس المال والاستثمارات المباشرة، ما يعني أن تركيا قد تواجه ضغوطًا اقتصادية إضافية إذا استمرت التوترات السياسية على هذا المنوال.

الموقف الأوروبي مما يحدث

بعد واقعة اعتقال أكرم إمام أوغلو علقت الخارجية الأميركية على الأحداث في تركيا بقولها: "يمكن أن نحث تركيا على احترام حقوق الإنسان بشكل عام، ولكننا لا نتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد الأخرى". وهو التعليق الذي يُفهم منه أن ترامب لا تهمه حاليًّا قضية اعتقال أو مساءلة إمام أوغلو، بل ولا يهمه حال المعارضة التركية كثيرًا؛ نظرًا للتفاهمات التي تجمع بينه وبين الرئيس أردوغان في أكثر من ملف وخاصة في سوريا.

كما أن رئيسة المفوضية الأوروبية علقت على نبأ اعتقال السلطات التركية رئيسَ بلدية إسطنبول بأنه "أمر مقلق للغاية"، وهو التعليق الذي يُفهم أيضًا في سياق أن أوروبا تريد التعبير عن تضامنها مع حقوق الإنسان، لكن دون خسارة علاقتها مع الحكومة التركية؛ لأنها الآن بحاجة ماسة إلى تركيا أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في ظل سياسات ترامب القاسية، بجانب التفاهمات الكبيرة بين أوروبا وتركيا حول مسألة إعادة الإعمار والاستثمار في سوريا.

وبناءً على ما سبق طرحه، فلن يغامر كل من ترامب أو قادة أوروبا بخسارة علاقتهم الجيدة مع الحكومة التركية، حتى وإن كان ذلك في الوقت الراهن على الأقل.

كلمة أخيرة

إثارة هذه القضايا ضد أبرز منافس لأردوغان "أكرم إمام أوغلو" قد تُفسَّر على أنها كيدية، خاصة مع تقلبات الشارع التركي في انتخابات البلديات الأخيرة، ما قد يكسبه تعاطف الناخبين في حال عدم التمكن من فضحه كما ينبغي، أو التعرض لفقد ثقة الناخبين به في حال تم الكشف عن حقيقة القضايا المتورط بها، والتي تمثلت في نهب الأموال المخصصة لخدمة الناخبين.

ولكن هذا كله يتوقف على قدرة الحكومة على كشف كافة الحقائق بشفافية كاملة أمام الرأي العام، بجانب عمل الإعلام التركي الموالي لها على تكثيف برامجه، وكشف كافة التفاصيل أمام المواطنين على مدار الساعة؛ لإقناعهم بحالة الخداع والسرقة والنهب التي تعرضوا لها على مدار سنوات.

ولذلك، فإن الحكم على تأثير هذه الحملة سابق لأوانه حاليًا؛ لأنه يتعلق بحجم تعامل كل من الطرفين مع هذه الأحداث، وحسن استغلالها بشكل جيد؛ ما يجعل النتيجة غير متوقعة في الوقت الراهن.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!