مينة تشليك - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس

تكشف قمة الناتو التي عُقدت في تركيا عن تحول عميق في مفهوم الأمن والدفاع داخل الحلف؛ إذ لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وتناقش الكاتبة الدور الاستراتيجي المتصاعد لتركيا في هذه المنظومة الجديدة، وما تتيحه من فرص وما تفرضه من مسؤوليات تقنية وأمنية وأخلاقية.

وعلى الرغم من أن قمة الناتو التي عُقدت في تركيا نوقشت في الرأي العام الدولي أساسًا من زاوية الإنفاق الدفاعي والتزامات الحلفاء المالية، فإن سطور القمة حملت تحولًا أكثر أهمية بكثير.

فمن خلال هذه القمة، لم يُعِد الحلف تعريف قدراته العسكرية فحسب، بل أعاد أيضًا تعريف قدراته الرقمية. ولم تعد العناصر المحددة للبنية الأمنية للناتو تقتصر على الدبابات والطائرات الحربية ومنظومات الصواريخ، بل أصبحت تشمل الخوارزميات ومراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية التي تغذي هذه الأنظمة.

وهكذا، تشير عملية التحول التي تتغير فيها المكونات الأساسية للردع إلى مرحلة استراتيجية جديدة، لم يعد الأمن فيها يتشكل بالقوة المادية وحدها، بل أيضًا بالقدرة التكنولوجية على إنتاج البيانات ومعالجتها وتحقيق التفوق في اتخاذ القرار.

ونشهد اليوم تغيرًا جذريًا في طبيعة الحرب نفسها.

فالبيئة الغامضة التي وصفها كارل فون كلاوزفيتز بـ«ضباب الحرب» تحولت اليوم إلى ساحة قتال خوارزمية، تُحلل فيها في الوقت الفعلي بيانات واردة من ملايين أجهزة الاستشعار.

ولم يعد التفوق في اتخاذ القرار يُقاس بنشر أعداد أكبر من الجنود، بل بالقدرة على معالجة البيانات الصحيحة في أقصر وقت ممكن وتحويلها إلى معلومات ذات معنى.

وقد أظهرت قمة الناتو الأخيرة بوضوح الانعكاس المؤسسي لهذا المفهوم الأمني الجديد.

تعتمد عمليات عسكرية كثيرة في الوقت الراهن على تدفقات هائلة من البيانات، مصدرها أنظمة متعددة، تتراوح بين صور الأقمار الاصطناعية والرادارات، وصولًا إلى الاستخبارات الإلكترونية والطائرات المسيّرة.

أما العنصر الأساسي المسؤول عن تفسير هذه البيانات، فهو أنظمة اتخاذ القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وبات من الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن تحديد أولويات الأهداف، وتحليل التهديدات، وتحسين الخدمات اللوجستية، وأنشطة الحرب الإلكترونية، تُدار بصورة متزايدة بواسطة الخوارزميات.

وبذلك خرج الذكاء الاصطناعي من موقع العنصر المساعد في الحرب، ليتحول إلى مضاعف استراتيجي للقرار يحتل مركز العمليات العسكرية.

العوامل المحركة للتحول

ينبغي التأكيد على أن هذا التحول لا يعود فقط إلى الخيارات المؤسسية لحلف الناتو.

فقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الحرب الأمريكية الإيرانية، بوضوح كيف أعادت الاستخبارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات مفتوحة المصدر، والأنظمة غير المأهولة، تشكيل ساحات القتال الحديثة.

وأثبتت هذه التطورات أن التنافس بين القوى لم يعد يُعاد تشكيله فقط على أساس الترسانات العسكرية، بل أيضًا وفق التفوق في الذكاء الاصطناعي والبيانات.

وفي هذا السياق، سرعت دول أوروبية عديدة خلال السنوات الأخيرة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصناعات الدفاعية، وعمّقت تعاونها في مجالات تبادل البيانات والأنظمة الذاتية والابتكارات الدفاعية.

وانعكست إعادة هيكلة منظومة الدفاع في أوروبا القارية على أساس الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة على البنية التشغيلية للناتو.

ومن الواضح أن مبادرات الحلف الرامية إلى تعزيز التدريب المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وقدرات العمليات المدعومة بالشبكات، ستزيد من الحضور العملياتي للأنظمة غير المأهولة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

أما المكانة الصاعدة لتركيا في هذا التحول، فلا تنبع فقط من مزاياها الجيوستراتيجية، بل أيضًا من استضافتها بنى تشغيلية حيوية تابعة للناتو، ومن منظومة تقنيات الدفاع القوية التي طورتها خلال السنوات الأخيرة.

إلى جانب ذلك، يُعد قرار إنشاء مركز خاص في مدينة قونية لمواجهة التهديدات الحديثة المحتملة، التي قد تنطلق عبر منصات غير مأهولة من داخل حدود الحلف أو من خارجها، أحد أبرز المؤشرات الملموسة على تحول الناتو في مجالي الدفاع الجوي المدعوم بالذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة.

ويثبت هذا التطور أن قونية لا تبرز فقط من حيث أنشطة التدريب المشترك، بل أيضًا بوصفها مركزًا استراتيجيًا للعمليات، تُدار فيه منظومة قيادة وتحكم قائمة على البيانات، وعمليات متعددة المجالات، وعمليات دمج الأنظمة الذاتية، والتحليلات المشتركة للتهديدات.

ويكشف المركز المخطط إنشاؤه في قونية عن تطور المقاربة الأمنية الجديدة للناتو من مفهوم دفاعي يركز على المنصات إلى بنية عملياتية تركز على البيانات وتدعمها الشبكات.

وبعبارة أخرى، لن يتحقق التفوق الاستراتيجي في المرحلة الجديدة من خلال إنتاج أنظمة تسليح أكثر تطورًا فقط، بل من خلال القدرة على معالجة البيانات التي توفرها هذه الأنظمة داخل بنية رقمية مشتركة، وتحليلها ودمجها في عمليات اتخاذ القرار في الوقت الفعلي.

والقاسم المشترك واضح: لن تحدد المنصات نفسها التفوق في حروب المستقبل، بل الخوارزميات القادرة على جمع هذه المنصات داخل شبكة رقمية مشتركة.

ولهذا، لم تعد المسألة الأساسية بالنسبة إلى الناتو هي عدد الطائرات الحربية أو الدبابات التي يمتلكها.

بل بات العامل الحاسم يتمثل في الطرف الذي يمتلك قاعدة البيانات الأكبر، ونماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا، والقدرة الأعلى على المعالجة الحاسوبية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن موازين القوى داخل الحلف لم تعد تتشكل وفق الترسانة العسكرية فقط، بل أيضًا وفق مراكز البيانات، والبنى التحتية للحوسبة عالية الأداء، والمنظومات الرقمية الموثوقة.

من سلاسل التوريد إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي

تمثل سلاسل التوريد الوجه غير المرئي والأكثر حساسية في ثورة الذكاء الاصطناعي.

فالخوارزميات المتقدمة تحتاج إلى أشباه موصلات عالية الأداء، بينما يتطلب إنتاج هذه الرقائق عناصر أرضية نادرة ومعادن حيوية.

وتتمتع عناصر مثل النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم والساماريوم بأهمية استراتيجية، ليس فقط للصناعات الدفاعية، بل أيضًا لأجهزة الاستشعار عالية الدقة، وأنظمة الرادار، والبنية التحتية لمراكز البيانات.

ولهذا، تحولت المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه إلى حرب جيو اقتصادية عالمية، تدور حول المعادن الحيوية وأمن الطاقة والقدرة على إنتاج أشباه الموصلات.

ولا تمثل الرؤية الأمنية الجديدة للناتو تحولًا عسكريًا فحسب، بل تعبر أيضًا عن تحول استراتيجي شامل تتكامل فيه السياسات الصناعية وسياسات الطاقة والتكنولوجيا.

وأصبحت احتياجات مراكز البيانات من الطاقة، وشبكات الألياف الآمنة، والتقنيات السحابية، والقدرة على إنتاج الرقائق، عناصر لا تنفصل عن خطط الأمن القومي.

يحمل هذا التحول بالنسبة إلى تركيا فرصًا مهمة، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه مسؤوليات جسيمة.

وقد وفرت النجاحات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة في الصناعات الدفاعية، ولا سيما في مجال الأنظمة غير المأهولة، أساسًا قويًا لتطوير تقنيات دفاعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن تطوير المنصات وحده لن يكون كافيًا في المرحلة الجديدة.

فالمنافسة الأساسية ستدور حول توطين نماذج الذكاء الاصطناعي العسكرية، وإنشاء منظومات آمنة للبيانات، وتعزيز البنى التحتية للحوسبة عالية الأداء، وتقليل الاعتماد على الخارج في التقنيات الحيوية.

وفي الوقت نفسه، يثير انتشار الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري نقاشات أخلاقية وقانونية جديدة.

وتأتي عمليات اتخاذ القرار في الأنظمة الذاتية، وحدود الرقابة البشرية، والانحيازات الخوارزمية، والقدرة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية، في مقدمة القضايا الأساسية التي يتعين على الناتو معالجتها خلال المرحلة المقبلة.

ولا يمكن ضمان استدامة التفوق التكنولوجي عبر إنتاج خوارزميات أكثر تطورًا فقط، بل يتطلب ذلك أيضًا ضمان استخدام هذه الأنظمة بصورة موثوقة وشفافة ومتوافقة مع القانون الدولي.

وفي المحصلة، يمكن القول إن قمة الناتو في تركيا فتحت الباب أمام عصر أمني جديد.

وفي هذا العصر، لن تُقاس قوة التحالفات بمنظومات الأسلحة التقليدية التي تمتلكها، بل بالبيانات التي تنتجها، والخوارزميات التي تطورها، والبنى التحتية الرقمية التي تديرها.

وسيتحدد ردع المستقبل بالتفوق الاستراتيجي الذي توفره دقة الخوارزميات، والقدرة على معالجة البيانات، وسرعة اتخاذ القرار، أكثر مما سيتحدد بمدى الصواريخ.

وتُظهر الخطوات التي اتخذها الناتو بوضوح أن أقوى تحالفات القرن الحادي والعشرين لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من الأسلحة، بل تلك التي تدير البيانات بأعلى قدر من الكفاءة، وتوظف الذكاء الاصطناعي في الموقع الصحيح، وتحول منظومتها التكنولوجية إلى عنصر استراتيجي من عناصر القوة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس