ترك برس

ناقش مقال للكاتب والخبير التركي يحيى بستان، تداعيات إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طرح فكرة ضم غرينلاند، وما أحدثه ذلك من شرخ غير مسبوق داخل التحالف الغربي، خاصة بين الولايات المتحدة وأوروبا.

يربط بستان في مقاله بصحيفة يني شفق هذا التوتر بإعادة تشكيل موازين الأمن الأوروبي في ظل الحرب الأوكرانية، ليخلص إلى أن هذه التحولات تصب في مصلحة تركيا التي باتت تُنظر إليها كفاعل أمني محوري.

كما يستعرض الدور التركي المتقدم في مفاوضات أوكرانيا، وموقف أنقرة من الضمانات الأمنية، حيث تؤكد استعدادها لتحمل المسؤولية البحرية في البحر الأسود، مع تحفظها على المشاركة البرية، حفاظًا على اتفاقية مونترو وتوازنات المنطقة.

وفيما يلي نص المقال:

ليست فكرة أن تصبح غرينلاند أرضًا أمريكية حكرًا على الرئيس دونالد ترامب. فالرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان كان قد تقدم عام 1946 بعرض رسمي إلى الدنمارك لشراء غرينلاند، حيث اقترح الأمريكيون آنذاك مبلغًا قدره 100 مليون دولار، غير أن العرض قوبل بالرفض. وكان هدف ترومان يتمثل في إنشاء خط دفاعي في القطب الشمالي في مواجهة الاتحاد السوفييتي. أما اليوم، فيتحدث ترامب عن الثروات الهائلة في باطن الأرض، وعن المعادن النادرة، إلا أن الدافع الأساسي يظل جيواسياسيًا. وخلال المباحثات الأمريكية–الدنماركية التي عُقدت مؤخرًا في واشنطن، لم تُبدِ إدارة ترامب أي تراجع عن موقفها.

بطبيعة الحال، يختلف واقع اليوم كثيرًا عن عالم أربعينيات القرن الماضي. فالدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفي الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل تحرك ترامب بشأن غرينلاند عاملًا مسببًا لارتباك بالغ. ويمكن القول إن هذه الأزمة تمثل أخطر وأوضح أزمة واجهها «التحالف الغربي» حتى الآن. كما أن تأكيد الولايات المتحدة أن «الخيار العسكري مطروح على الطاولة» أثار قلقًا عميقًا في أوروبا، إلى حد أن بعض المسؤولين الأوروبيين رفيعي المستوى بدأوا يطرحون علنًا فكرة «إغلاق جميع القواعد الأمريكية في أوروبا». وكانت الحرب في أوكرانيا قد دفعت أوروبا أصلًا إلى الاقتناع بضرورة «الاعتماد على الذات» أمنيًا. وإذا استمر التوتر حول غرينلاند على هذا النحو، فإن مسار «الانفصال الأوروبي» سيتسارع، وستظهر انعكاساته بوضوح في زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وفي النقاشات المتعلقة بالخدمة العسكرية الإلزامية، وفي البحث عن تحالفات جديدة.

توقيع الضمانات

إن جميع هذه التطورات، التي تجعل المرء يقول إن «العالم فقد توازنه»، تصب في مصلحة تركيا. فتركيا تمتلك أصلًا وزنًا نوعيًا نابعًا من عدد سكانها، واقتصادها، وقوتها العسكرية، وعمقها السياسي والدبلوماسي. والتطورات المشار إليها آنفًا تسهم في تعزيز هذا الوزن في نظر الأوروبيين، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالدفاع.

ولننظر إلى الجهود الجدية المبذولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. فقد تحقق تقدم مهم في المفاوضات التي جرت أولًا بوساطة تركيا، ثم لاحقًا بوساطة مباشرة من الرئيس الأمريكي ترامب وفريقه. (وعندما بدأت الأمور تأخذ منحى جديًا، شهدت روسيا محاولة هجوم «مجهولة الهوية» بعشرات الطائرات المسيّرة على مقر إقامة الرئيس فلاديمير بوتين، ما دفع موسكو إلى رد فعل حاد والتلميح إلى إعادة النظر في موقفها التفاوضي). غير أن المسار تعثر عند نقطتين أساسيتين:

الأولى، مفاوضات الأراضي، حيث تسعى روسيا إلى الحصول على كامل الأراضي التي تستهدفها من دون خوض حرب إضافية، في حين تطالب أوكرانيا باعتبار خط التماس الحالي حدًا لوقف إطلاق النار.

والثانية، مسألة تقديم نوع من الضمانات الأمنية التي تحول دون شن روسيا هجومًا جديدًا على أوكرانيا — أو بالأحرى على أوروبا — في المستقبل.

كان ترامب متحفظًا إزاء تقديم الولايات المتحدة مثل هذه الضمانات، إلا أن توافقًا تحقق في نهاية المطاف خلال اجتماع «تحالف المتطوعين» الذي عُقد في باريس في السادس من كانون الثاني/يناير. وقد مثل الرئيس رجب طيب أردوغان في هذا الاجتماع وزير الخارجية هاكان فيدان. ووقّع المبعوث الخاص لترامب، ويتكوف، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا، على إعلان نوايا بشأن الضمانات. وبموجب هذا الاتفاق، ستتولى الولايات المتحدة قيادة آلية مراقبة وقف إطلاق النار، وسيتم إنشاء خلية تنسيق في باريس، في حين ستنشر بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى قوة عسكرية متعددة الجنسيات في أوكرانيا. (أما الموقف الألماني القائل «لن نرسل قوات إلى أوكرانيا، لكن ربما إلى دولة مجاورة»، فيبدو أقرب إلى الطرافة منه إلى الجدية).

موقف أنقرة يتضح

فما هو الموقف النهائي لتركيا؟

أوضح وزير الخارجية هاكان فيدان، في تصريح أدلى به عقب اجتماع باريس، أن «تركيا لديها توجه لتحمل المسؤولية الأساسية في القوة البحرية التي ستُشكّل من أجل حفظ السلام في حال التوصل إليه». وهذه المعلومة ليست جديدة على متابعي هذا العمود، إذ سبق أن أشرنا إلى رغبة تركيا في الاضطلاع بدور في مراقبة وقف إطلاق النار في البحر الأسود في حال تحقق السلام (انظر: تفاصيل الضمانات: هل توضع السواحل الأوكرانية تحت عهدة البحرية التركية؟ 21 آب/أغسطس 2025). كما يُعلم أن اجتماعًا موسعًا عُقد العام الماضي في أنقرة، بمشاركة 21 دولة، في مقر وزارة الدفاع الوطني، حيث أبلغت أنقرة شركاءها بأنها «مستعدة لتحمل المسؤولية في البحر الأسود».

ولماذا تصر أنقرة على تولي الجانب البحري من مهام الضمان؟ لأنها تولي أهمية كبرى لمبدأ «الملكية الإقليمية»، ولا ترغب في دخول قوة أجنبية أخرى إلى البحر الأسود. كما تعتقد أن أي سيناريو مغاير من شأنه إضعاف اتفاقية مونترو. وخلال الحرب الأوكرانية، حاولت بعض الدول الدفع باتجاه ترتيبات تتجاوز مونترو، إلا أن تركيا لم تسمح بذلك مطلقًا.

تساؤلات حول الدور البري

أما ما إذا كانت أنقرة ستشارك، إلى جانب دول غربية أخرى، في نشر قوات برية على الأراضي الأوكرانية، فقد ظل أمرًا غير محسوم لفترة. ففي آب/أغسطس الماضي، طُرحت في هذا الشأن تصريحات غامضة. غير أن الصورة باتت اليوم أكثر وضوحًا. إذ تفيد مصادر مطلعة بما يلي:

«تقول بريطانيا وفرنسا إنهما سترسلان قوات، لكن هل سيقبل الروس بذلك؟ هذا غير واقعي (وقد رفضوه بالفعل، وأعادوا الرفض بعد اجتماع باريس). هناك توقعات بمشاركة برية تركية، وقد أوضحنا موقفنا لمخاطبينا بجلاء: أولًا، يجب التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ثانيًا، ينبغي تحديد مهام البعثة بدقة. ثالثًا، على الجميع تقديم مساهماتهم بوضوح. رابعًا، بعد ذلك فقط سنقرر موقفنا من المشاركة في الجانب البري من منظومة الضمانات».

وخلاصة الموقف التركي هي الآتي: البحر حاضر، أما البر في الوقت الراهن فلا.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!