ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، في صحيفة الشرق القطرية، تداعيات الحرب المحتملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، على تركيا بصورة خاصة وعلى توازنات الشرق الأوسط عمومًا. 

يركّز الكاتب على المخاطر الأمنية التي قد تواجهها أنقرة، مثل عدم الاستقرار الحدودي، وإمكانية تنشيط تنظيم حزب العمال الكردستاني، وموجات الهجرة الواسعة، إضافة إلى التحديات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتعطّل ممرات التجارة. 

كما يناقش التحولات الجيوسياسية المحتملة في حال ضعف إيران أو تفككها، وما قد يعنيه ذلك من إعادة توزيع النفوذ الإقليمي، خصوصًا في ظل التنافس التركي–الإسرائيلي. ويخلص إلى أن تركيا، وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب، ستكون من أكثر الدول تأثرًا بنتائجها.

وفيما يلي نص المقال:

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي حرب لا تقتصر آثارها على أطرافها المباشرين، بل تمتد لتشمل تركيا ودول شبه الجزيرة العربية كافة. ويمكن اعتبار هذه المواجهة نقطة تحول مفصلية من شأنها إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بصورة عميقة. وبحكم موقعها الجغرافي الحساس وتشابك مصالحها الأمنية والاقتصادية، تُعدّ تركيا من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه الحرب.

قبل كل شيء، تُعدّ تركيا من بين الدول الأكثر تضررًا من الحروب الإقليمية والأزمات وحالات الفوضى. فهي، بوصفها دولة صناعية وتجارية وسياحية، تستفيد بدرجة أكبر من الاستقرار، كما تبنّت سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات جيدة مع جيرانها وتدعم الحلول السياسية للأزمات. ومن منظور تركيا، يتمثل أكبر مصدر للقلق في احتمال اتساع نطاق الحرب وتحولها من مواجهة محدودة إلى فوضى إقليمية شاملة. وقد أدانت تركيا الهجمات على إيران، كما عارضت في الوقت نفسه أي هجمات إيرانية تستهدف الدول العربية.

يُعدّ المجال الأمني أكثر نقط الخطر إلحاحًا بالنسبة لتركيا. فحرب إيران يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار في المناطق الحدودية. ورغم أن الحدود التركية-الإيرانية ظلت مستقرة نسبيًا لسنوات طويلة، فإنها كانت في الفترة الأخيرة تشهد ضغوطًا متزايدة نتيجة الهجرة، وقد يتفاقم هذا الوضع سريعًا. كما أن استمرار الحرب في إيران لفترة طويلة، أو الفراغ الذي قد ينشأ في مرحلة ما بعد الحرب، قد يثير صراعات عرقية أو مذهبية. ومن شأن ذلك أن يفرض ضغوطًا كبيرة على تركيا، سواء من حيث موجات الهجرة، أو التهديدات الإرهابية، أو الحاجة إلى تدخلات إنسانية محتملة.

يتمثل أحد أبرز المخاوف الأمنية الأخرى لتركيا في احتمال إعادة إحياء تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) داخل إيران. ففي عام 2014، منحت إدارة أوباما، بذريعة محاربة تنظيم داعش، السيطرة على شمال سوريا لإدارة حزب العمال الكردستاني/ قوات سوريا الديمقراطية. وقد يتكرر سيناريو مشابه، إذ يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل دعم حزب العمال الكردستاني سواء في إطار الحرب ضد النظام الإيراني أو لملء الفراغ بعد سقوطه. كما أن ضعف السلطة المركزية قد يتيح للتنظيم توسيع مناطق نفوذه أو تعزيز خطوطه اللوجستية. وبينما تمكنت تركيا من تقليص تهديد حزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية، فإنها لا ترغب في مواجهة الخطر ذاته مجددًا على حدودها الشرقية.

إن استمرار الحرب في إيران أو اندلاع صراعات داخلية بعد سقوط النظام قد يؤدي إلى موجات هجرة جماعية باتجاه تركيا. وتستضيف تركيا بالفعل ملايين اللاجئين، ومع الأخذ في الاعتبار الحجم السكاني الكبير لإيران، فإن أي حركة نزوح محتملة قد تصل إلى نطاق يتجاوز حتى أزمة اللجوء السورية من حيث الحجم والتأثير. ومن شأن هذا الوضع أن يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على تركيا. كما يمكن توقع أن بعض الدول التي تنظر إلى تركيا بوصفها منافسًا، مثل إسرائيل، قد تسعى إلى استغلال هذه الظروف للضغط على تركيا بشكل خاص.

تمثل أحد الهواجس الأخرى لتركيا في احتمال تغيّر التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. فسيناريو ضعف إيران أو تفككها قد يؤدي إلى توسّع النفوذ الإقليمي لإسرائيل. وإذا أخذنا في الاعتبار المواقف العدائية المتكررة للحكومة الإسرائيلية تجاه تركيا وطبيعة التنافس القائم بين الطرفين، فإن هذا التطور قد يعني، من منظور أنقرة، حصول إسرائيل بصورة غير مباشرة على مجال استراتيجي جديد يمتد حتى الحدود الشرقية لتركيا. ومع سعي إسرائيل إلى تعويض خسائرها الاستراتيجية الناتجة عن التحولات في سوريا عبر تعزيز نفوذها داخل إيران، فمن المتوقع في المقابل أن تمتلك تركيا أيضًا حضورًا ونفوذًا قويين في إيران الجديدة.

ستكون للتداعيات الاقتصادية للحرب في إيران انعكاسات بالغة القسوة على تركيا والمنطقة، ولا سيما إذا طال أمد الصراع، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي مباشرة إلى زيادة معدلات التضخم واتساع عجز الحساب الجاري في تركيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. وفي مرحلة بدأت فيها المؤشرات الاقتصادية التركية تُظهر تحسنًا تدريجيًا، تسعى أنقرة إلى تجنّب أعباء مالية جديدة قد تعرقل مسار التعافي الاقتصادي. كما أن اضطراب ممرات التجارة الإقليمية بسبب الحرب قد يعرقل حركة التجارة البرية التركية المتجهة نحو آسيا الوسطى عبر إيران، إضافة إلى التأثير في طرق التجارة الواصلة إلى منطقة الخليج عبر العراق، ما يضاعف الخسائر الاقتصادية المحتملة. وبذلك، ستكون تركيا متأثرة ليس فقط بتطورات الحرب أثناء وقوعها، بل أيضًا بنتائجها طويلة المدى؛ فهي دولة مجاورة قد لا تكون طرفًا في الحرب، لكنها قادرة على التأثير في مسار السلام.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!