ترك برس

تناول مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، في صحيفة يني شفق، سقوط نظام الأسد ثم انهيار «تنظيم قسد/واي بي جي» من زاوية الأرضية الاجتماعية والشرعية السياسية، لا من منطق القوة العسكرية وحده.

يجادل الكاتب بأن ما صمد لسنوات بالقمع والدعم الدولي انهار فور انشغال داعميه، لأن أي سلطة لا تستند إلى مجتمعها محكوم عليها بالسقوط. ويسلط الضوء على العقل الاستراتيجي لأحمد الشرع في إدارة المرحلة، حيث استخدم الزمن، والتوازنات الدولية، والعمل من الداخل بدل المواجهة الشاملة، ليعيد بسط سلطة الدولة بأقل كلفة ممكنة.

كما يؤكد أن المعركة لم تكن ضد الأكراد، بل ضد مشروع انفصالي فُرض بقوة الخارج، ليخلص إلى أن الأكراد لم يخسروا، بل ربحوا دولة واحدة تحترم هويتهم داخل وحدة الأرض والجيش والسلطة. وفيما يلي نص المقال:

لم تكن لدى الأسد في سوريا أي أرضية أو سند اجتماعي يبرر بقاءه في السلطة طوال هذه السنوات الطويلة.

ما أبقاه واقفًا لم يكن سوى القمع، وبعض الحلفاء الدوليين. وعندما انتفض تقريبًا كامل الشعب السوري ضده تدريجيًا عام 2011، بدا أن أيام نظام الأسد باتت معدودة. غير أن المشهد تغيّر حين هرع حلفاؤه الدوليون إلى دعمه، غير آبهين بالمجازر ولا حتى بالإبادة الجماعية، فاستمر في الحكم لا على أساس اجتماعي بنّاء، بل عبر سلطة تدميرية إقصائية قائمة على الإبادة.

لكن ما إن انشغلت القوى الدولية وحلفاؤها بشؤونهم الخاصة، حتى لم يبقَ للنظام أي ركيزة يمكنه أن يصمد بها أمام الشعب. ففي لحظة انشغال روسيا بحرب أوكرانيا، وإيران وحزب الله وإسرائيل بغزة، والولايات المتحدة بأولوياتها الانتخابية، لم يحتج سقوط النظام السوري وقيام سلطة جديدة تستند فعلًا إلى شعبها سوى أحد عشر يومًا. أما ما تلا ذلك، فكان مرحلة تثبيت وترسيخ للنظام الجديد.

واليوم، ومع اشتداد التيار ضد «تنظيم قسد/واي بي جي» الذي فرض لسنوات، بدعم السلاح الأميركي والمساندة الإسرائيلية، سيطرة تناقض الواقع الاجتماعي وتسير بعكس مجرى التاريخ في أحياء حلب الشرقية وشرق الفرات، ومع تحرر المجتمع هناك بصورة كاملة، لم يعد ممكنًا أن يصمد أكثر. فقد انتفت كل أسبابه ومرتكزاته الاجتماعية لإدارة جغرافيا يشكل العرب غالبية سكانها، رغماً عن أهلها، بل ورغماً عن الحكومة السورية المركزية. لذلك لم يستغرق بسط سيطرة الحكومة السورية على هذه المناطق أكثر من عشرة أيام.

وفي الحقيقة، كان من الممكن أن يتم ذلك في أقل من عشرة أيام، غير أن الجيش السوري كان يمنح «تنظيم قسد/واي بي جي» في كل مرحلة فرصة جديدة لإعادة التفكير. ومع تسارع انضمام العرب داخل التنظيم، بل وحتى بعض الأكراد، إلى صف الحكومة، تلاشت تلك «الأسطورة» التي رُوِّج لها طويلًا حول جيش قوامه مئة ألف مقاتل، وتبيّن أنها لم تكن سوى وهمٍ محض.

العقل الاستراتيجي والقيادة لدى أحمد الشرع

في الواقع، كانت تلك الأرضية قد انهارت منذ الأيام الأولى للثورة السورية. إلا أن السنة التي تلت ذلك شكّلت فرصة كافية لكي يدرك كلٌّ من الشرع والمجتمع الدولي هذه الحقيقة بوضوح تام. وقد برزت قيادة أحمد الشرع في إدارة المرحلة من خلال نهجه الصبور، الرصين، والذكي. لم يتعجل، ولم ينجرّ إلى الارتباك أو الضجيج، بل استخدم الزمن كسلاحه الأهم.

وكما قال مستشاره أحمد موفق زيدان: «حين التقى مظلوم عبدي، وقّع اتفاقًا ينص على دمج قسد في الجيش خلال عام. وكان الشرع يعلم تمامًا أن قسد لن تندمج، لأنها كانت تسيطر على ربع الأراضي السورية، وعلى النفط والأنهار والسدود والمناطق الزراعية. لكن هذا الاتفاق لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل مناورة لكسب الوقت من أجل بناء جيش حقيقي».

وعندما اقتربت لحظة القرار، تصرف الشرع بعقل الدولة لا بعقل الجبهة. فعمد إلى تحييد الجبهة الجنوبية عبر اتفاق أمني مؤقت يوازن به إسرائيل، وفي الوقت ذاته أطلق عملية ضد بقايا العناصر في الساحل لمنع تعدد الجبهات. ودفع لبنان إلى التحرك من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، وهيّأ الأرضية لضرب «تنظيم قسد/واي بي جي» من الداخل عبر التنسيق مع العشائر.

ثم جاءت اللحظة الدولية المناسبة. كانت الولايات المتحدة غارقة في منافستها الكبرى مع الصين، وأصبحت وحدة سورية جزءًا من حسابات جيوسياسية أوسع. فاستثمر الشرع هذه اللحظة بحنكة؛ جرى تحييد واشنطن بضغط تركي–سعودي، وأُعيد إدخال النفط السوري إلى دائرة الاهتمام عبر وعود اقتصادية جذابة للشركات الأميركية. فترامب، في نهاية المطاف، رجل صفقات لا رجل شعارات.

أما في الداخل، فقد جرى استهداف نقطة الارتكاز الحقيقية لـ«تنظيم قسد/واي بي جي». فهذا التنظيم لم يكن قوة قائمة بذاتها، بل مجرد ورقة أميركية، في حين أن عموده الفقري الميداني كان يتمثل في العشائر العربية شرق البلاد. ومع تعمّق التناقضات الداخلية نتيجة سياسات مثل التجنيد الإجباري وتسليح النساء والأطفال، لم يتدخل الشرع، بل ترك النار تأكل نفسها. وهكذا انكشف التنظيم لا كـ«قوة تحرير»، بل كقوة احتلال، وتحول دخول الجيش السوري من «تهديد» إلى «مطلب شعبي».

وفي نهاية المطاف، انتهت عملية بدت شديدة التعقيد، تمامًا كما انتهت الثورة السورية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، بأقل قدر ممكن من الخسائر وسفك الدماء لجميع الأطراف.

وفي المشهد الراهن، لم ينظر الشرع مطلقًا إلى هذا الانتصار على «تنظيم قسد/واي بي جي» بوصفه انتصارًا على الأكراد. بل إنه، حتى في اللحظة التي كان قادرًا فيها على توجيه الضربة القاضية للتنظيم، منحَه فرصة جديدة. وأكد أنه سيبقى ملتزمًا بالاتفاق الذي يعترف بمظلوم عبدي ويمنحه حيّز وجود ضمن حدود الدولة، شريطة التزامه بالشروط.

هم الشرع: دولة واحدة، جيش واحد، سورية واحدة

من المهم التنبيه إلى أن الشرع لم يتعامل مع هذا الإنجاز بوصفه نجاحًا ضد الأكراد، بل حرص أقصى الحرص على عدم جرحهم أو الإساءة إليهم، وهو ما يعكس مدى التزامه بالرؤية الإسلامية التي ينطلق منها في إدارة العملية السياسية. فهو ينتمي إلى فهم إسلامي لا يقبل أي تمييز بين الكرد والعرب، ولا بين العرب والأتراك، ولا يمكن وصفه بحال بأنه قومي عربي.

وعندما يقول: «الأكراد أو حقوقهم ليسوا موضوع مساومة، بل هم عنصر أصيل في الدولة»، فإنه لا يسعى إلى مجاملة خطابية لأحد. فقد قال ذلك وأصدر لاحقًا بيان حقوق خاص بالأكراد في لحظة كان فيها في أقوى مواقفه أمام «تنظيم قسد/واي بي جي»، وكان قادرًا لو شاء على المضي إلى النهاية. وهو يكرر أن مشكلته ليست مع الأكراد، بل مع وحدة الأرض والدولة والعلم والجيش والسلطة في سورية، وهو سلوك طبيعي لأي دولة. أما ما يتجاوز ذلك، ويُعد سمة خاصة بالدولة الإسلامية، فهو إظهار أقصى درجات الاحترام للهوية الثقافية لمواطنيها.

الأكراد لم يخسروا… بل ربحوا، لكن من يفهم؟

للأسف، تحوّلت هذه الحساسية التي أبداها الشرع إلى مادة سجال معاكس تمامًا بين القوميين الأتراك والقوميين الأكراد في تركيا. فمعركته التي يؤكد باستمرار أنها ليست ضد الأكراد، جرى توظيفها من قبل البعض لإشباع انفعالاتهم الخاصة.

والحقيقة أن الذين يقاتلون اليوم باسم «تنظيم قسد/واي بي جي» ضد الشرع لا يمثلون الأكراد، وإن كان معظمهم من الأكراد. غير أن هزيمتهم، وما ترتب عليها من واقع جديد، ولّدت حالة تعاطف لدى أكراد آخرين كانت المسافة بينهم وبين التنظيم شاسعة، وصولًا إلى أخطر الاحتمالات: التماهي مع قسد بل وحتى مع حزب العمال الكردستاني. قد يكون ذلك صعب الفهم، لكنه ليس بلا تفسير نفسي. فالتعاطف الناشئ عن الإحساس المتكرر بالهزيمة، حتى لو كانت نتيجة أخطاء أو خيانات ذاتية، يخلق تناقضا خطيرًا. ولا سبيل لمواجهة هذا التناقض إلا بكبح الخطاب والانفعال. لكن من سنخاطب؟ ومن سيصغي؟

قسد أخطأت وخسرت

الذين وعدوا «تنظيم قسد/واي بي جي» بالأرض في سورية لم يكونوا أصحاب هذه الأرض، بل سارقيها. نعم، كان لهم فيها نصيب، لكنه لم يكن يومًا ملكًا حصريًا لهم، وها هم أصحاب الأرض الحقيقيون قد عادوا. وليس من السهل على جماهير سُيّرت طويلًا خلف أوهام فارغة أن تتقبل هذه الحقيقة بهذه البساطة. فظهر خطاب بائس، على شاكلة شيفان برور، يبكي لأن أميركا «باعته» مرة أخرى، وباستمرار.

وماذا كنتم تنتظرون من أميركا؟

الواجب اليوم ليس البكاء لأنها لم تفِ بوعدها، بل الندم لأنكم علقتم آمالكم أصلًا على أن تمنحكم ما ليس حقًا لكم، والتوبة عن انتظار سلب حقوق الآخرين لتُعطى لكم.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!