
ترك برس
تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، الآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي تخلّفها الحروب في مجتمعات الشرق الأوسط، حتى لدى الدول التي لا تشارك مباشرة في القتال، مستعرضا كيف تؤدي أجواء الحرب المستمرة والتغطية الإعلامية المكثفة إلى انتشار مشاعر الخوف والقلق وعدم اليقين بين الناس.
يسلّط الكاتب التركي، في مقاله بصحيفة الشرق القطرية، الضوء على التأثيرات المباشرة للصراع على المدنيين، ولا سيما الأطفال الذين يواجهون صعوبة في فهم ما يحدث حولهم ويتعرضون لصدمات نفسية قد ترافقهم طويلًا.
كما يناقش امتداد آثار الحروب إلى الاقتصاد والحياة اليومية وإمكانية انتقال الصدمات النفسية بين الأجيال، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية توفير الدعم النفسي وتعزيز التضامن المجتمعي والحوار كخطوات ضرورية للتعافي وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود بعد النزاعات.
وفيما يلي نص المقال:
للأسف، لا تُعد الحروب في منطقتنا أحداثًا استثنائية أو نادرة، فقد اندلعت الحرب في السودان بشكل مفاجئ، وأثّرت سلبًا في حياة ملايين الناس وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. وبالمثل، فإن الهجوم المفاجئ الذي شنّته إسرائيل على إيران جرَّ قوى عالمية إلى أجواء الحرب، مما يحمل مخاطر تحوّلها إلى حرب إقليمية واسعة. وعلى الرغم من أن تركيا ودول الخليج ليست أطرافًا مباشرة في القتال، فإنها تشعر عن قرب بتداعيات الحرب في إيران. ومما يؤسف له أنه لا توجد أي ضمانة لعدم اندلاع حروب أخرى في المستقبل.
تُحدث الحروب حالة واسعة من الخوف وعدم اليقين تؤثر في جميع الشعوب. كما أن التغطية الإعلامية المستمرة وأجواء انعدام الأمن لفترات طويلة قد تؤدي إلى زيادة مستويات التوتر المجتمعي. ورغم أن تركيا والدول العربية لم تدخل الحرب بشكل مباشر، فإنها تشعر بحالة التوتر وبآثارها النفسية. أما الشعوب التي تعد أطرافًا مباشرة في الحرب، مثل شعوب إيران وإسرائيل ولبنان، فهي تتأثر بشكل مباشر بالأضرار التي تُلحقها الصواريخ والطائرات المسيّرة بالأرواح والممتلكات. وخلال الحروب قد يعاني الذين فقدوا أقاربهم أو تضررت ممتلكاتهم، وكذلك من فقدوا أعمالهم أو أُجبروا على النزوح، من ضغوط نفسية شديدة. ولا تقتصر هذه التأثيرات على المشاركين في القتال، بل تمتد أيضًا إلى السكان الذين يعيشون في المناطق القريبة من ساحات الصراع. وقد خلّفت الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران حالة واضحة من القلق والتوتر في مجتمعاتنا. فحتى عندما تكون الهجمات موجهة نحو أهداف عسكرية، يظل احتمال إصابة المدنيين قائمًا، كما أن الأصوات القوية التي تحدثها الصواريخ أثناء اعتراضها في الجو تثير مشاعر الخوف والاضطراب لدى الناس.
يُعدّ الأطفال من أكثر الفئات تضررًا من الحروب، إذ يجدون صعوبة في فهم ما يجري حولهم، مما يجعلهم أكثر عرضة للصدمات النفسية. وكثيرًا ما يطرحون أسئلة مؤلمة يصعب الإجابة عنها، مثل تساؤل الطفل السوري الذي دُمّر منزله: «بشار الأسد قتلنا ونهبنا، شو عملنا له؟». كما تؤدي الحروب إلى تعطّل تعليم الأطفال وترك آثار عميقة في نظرتهم إلى الحياة والإنسان. ولا تقتصر آثار الحرب على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى فئات أخرى في المجتمع؛ فمثلاً قد يعاني سائقو سيارات الأجرة من إحباط شديد عندما يقلّ خروج الناس من منازلهم بسبب الخوف، مما يؤدي إلى تراجع دخلهم. وفي حين تستطيع بعض المهن التحول إلى العمل عن بُعد، تبقى مهن أخرى مرتبطة بحركة الناس ولا يمكن ممارستها بهذه الطريقة، الأمر الذي يزيد من شعور أصحابها بالقلق وعدم الاستقرار.
لا تقتصر الآثار النفسية للحروب على الأشخاص الذين شهدوا الصراع بشكل مباشر، بل قد تمتد لتطال الأجيال اللاحقة أيضًا. فأبناء ضحايا الحروب والأيتام وأفراد العائلات قد يرثون آثار الصدمة، سواء من خلال القصص المتداولة داخل الأسرة أو نتيجة صدمات نفسية لم تُعالَج بشكل صحيح. ويؤدي هذا الانتقال عبر الأجيال إلى تعقيد مسارات التعافي بعد الحروب، ويبرز الحاجة إلى تدخلات شاملة في مجال الصحة النفسية. كما قد تسهم هذه الآثار المتراكمة في ترسيخ مشاعر الكراهية والعداء بين الشعوب لفترات طويلة. لذلك، فإن فهم هذه الأبعاد النفسية والعمل على معالجة آثارها يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الباحثين وصنّاع السياسات والمنظمات الإنسانية ودعاة السلام، بهدف الحد من الأضرار النفسية وتعزيز فرص التعافي المجتمعي.
إن معالجة التفكك الاجتماعي وتعزيز الدعم النفسي ونشر خطاب جامع يقوم على قيم التفاهم والتعايش تمثل خطوات أساسية في مسار التعافي وبناء قدرة المجتمعات على الصمود بعد النزاعات. ويتطلب ذلك توفير خدمات متخصصة في الصحة النفسية، بما في ذلك الإرشاد وعلاج الصدمات، ولا سيما للأطفال والضحايا الذين تضرروا مباشرة من الحرب، إلى جانب تنفيذ برامج للتضامن الاجتماعي تساعد الأفراد على استعادة حياتهم الطبيعية. كما أن تشجيع الحوار المجتمعي حول آثار هذه الصدمات يسهم في ترميم الثقة بين أفراد المجتمع، ويقلل من احتمالات تجدد الصراعات في المستقبل، ويعيد إلى الناس شعورهم بالأمل والثقة بالمستقبل، الأمر الذي يجعل برامج الإرشاد النفسي والأنشطة المجتمعية جزءًا أساسيًا من جهود التعافي وإعادة البناء الاجتماعي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











