
ترك برس
قال مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية، أحمد موفق زيدان، إن مواقف سوريا من التطورات الإقليمية باتت واضحة منذ سقوط نظام الأسد، مؤكدا أنه منذ ذلك الحين ودمشق تصطف إلى جانب "الأشقاء العرب والأتراك والقوى المحبة للسلام".
جاء ذلك في مقال له على موقع "الجزيرة نت"، بعنوان "دمشق الجديدة.. ركيزة الأمن القومي العربي".
وأضاف أنه طوال عقود من حكم العائلة الأسدية غابت أو غُيبت دمشق عن محيطها العربي، ضمن سياسة مقصودة ممنهجة، فاصطفت علنا منذ اليوم الأول إلى جانب الحكم الإيراني، بينما كانت قد مهدت لهذا الاصطفاف منذ منتصف السبعينيات، حين استقبل حافظ الأسد موسى الصدر مؤسس حركة "أمل"، أو ما عرف بـ"أفواج المقاومة اللبنانية"، فوفّر لها الأسد الدعم والمساندة والحماية في لبنان التي استقر بها الصدر وفريقه.
وأتبعها بعد سنوات قليلة بتقديم دعم كبير لما غدا لاحقا نواة الحرس الثوري الإيراني، فتكفلت دمشق بكل ما يحتاجه هذا الحرس بثبوتيات للتحرك، أو أماكن للتدريب والإقامة.
وفيما يلي تتمة المقال:
لم يقتصر الملاذ الآمن على القيادات الإيرانية الثورية يومها، وإنما تعداه إلى توفير الملاذ الآمن للمليشيات الطائفية من عراقية، إلى حوثية بحسب وثائق مسربة عن تواصلات بين السفارة اليمنية في دمشق، وخارجيتها عام 1984.
ووصل توفير الملاذ الآمن إلى المليشيات الطائفية الأفغانية تحت مسمى (لواء أبي ذر) الذي قاتل إلى جانب القوات الإيرانية في الحرب على العراق، وشملت الملاذات الآمنة أيضا دعم مليشيات طائفية باكستانية، كـ (ذوالفقار)، و(زينبيون).
وهو ما أشار إليه مبكرا كتاب "الدولة المتوحشة" للكاتب الفرنسي المتخصص ميشال سورا، حين نقل عن حافظ الأسد قوله بعد مجزرة حماة في فبراير/ شباط 1982 أنه يسعى إلى بناء محور طائفي من دمشق إلى بيروت، فبغداد، وطهران، وإسلام آباد، وكابل، وهو المحور الذي سحقته الثورة السورية في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
نجح الأسد الأب في إبعاد دمشق عن الساحة العربية؛ ساعةً تحت ذريعة "كامب ديفيد" عام 1979، فوقف بوجه مصر السادات، وقبلها لعب البعث مبكرا دوره المشين في تحريض الناصرية المصرية وتوريطها بحرب عام 1967، وهي التي كانت خارجة لتوها من مستنقع حرب اليمن، فكانت نتائج ذلك هزيمة يونيو/حزيران الكارثية التي ما زلنا نعيش ذيولها، ونحصد حنظلها إلى يومنا هذا.
وتابع الأسد مسيرته متسربلا بشعارات براقة خداعة، بالحديث الفارغ من أي مضمون جوهري، وهو حديثه عن المقاومة والممانعة، لكنه حديث في كنهه وحقيقته، يستهدف الأمة وشعوبها.
تجلى ذلك علنا، حين وقف إلى جانب إيران في حربها على العراق، حيث بداية الحرب كانت كما لا يخفى على أي دارس لتاريخ تلك الحقبة، كي لا يُزوّر ويحوّر، حين رفعت إيران شعارها: تصدير الثورة، لتبتزّ بذلك المحيط كله، وأطلقت معه سلسلة أعمال تخريبية طالت شخصيات عراقية، وكان من ضمنها محاولة اغتيال وزير الخارجية العراقي طارق عزيز على أيدي عملائها، خلال زيارته الجامعة المستنصرية أبريل/نيسان 1980، وذلك قبل خمسة أشهر من اندلاع الحرب الإيرانية.
وقف النظام السوري سدا منيعا إلى جانب إيران، ضد البعث الذي آمن به، منقلبا بذلك على كل مبادئه العروبية، وشرعيته التاريخية، وظل يبتز العرب طوال تلك السنوات، عبر مقاربته التي يدعي فيها أن قربه من إيران، يوفر له ميزة التحاور والتوسط بينها وبين العرب.
إن سجل العار الأسدي طويل في الوقوف ضد العرب ومصالحهم فعلا وممارسة، بغض النظر عن الشعارات البراقة الخداعة التي كان يرفعها ويتاجر فيها، ففي لبنان سحق القوى الوطنية، لبنانية كانت أو فلسطينية، حين جاست قواته بأرضها عام 1976، ومارس على أرض لبنان هوايته المعروفة باغتيال رموز لبنانية وفلسطينية، ومعها كان ماهرا في إثارة الفتن.
ولم تقتصر عمليات الاغتيال التي نفذها على لبنان وإنما نشرها في العواصم العربية، وحتى غير العربية، ونجح خلال مسيرة حكمه في تحويل دمشق إلى عاصمة للكبتاغون، والإرهاب العابر للحدود، ضد الأشقاء والجيران، وراح معها يقتل شعبه، سواء على يد الأب المؤسس، أو الابن القاصر، فكان أن انتعشت في حقبة الحكم الأسدية السوداء جمهوريات تدمر وصيدنايا، لتغدو سوريا رمزا لمملكة الصمت والخوف والإرهاب والتهجير والدمار والخراب والكبتاغون والكيماوي والبراميل المتفجرة، بعد أن كانت واحة للحرية والديمقراطية، وحرية الإعلام قبل سطوهم على السلطة.
هذه المقدمة مهمة جدا لنعرف ما خسره العرب والإنسانية بسطو هذه العصابة على الحكم، وبالمقابل لنتعرف على المكاسب والأرباح التي جناها العرب بعودة سوريا إلى أهلها، ومحيطها، وإلى الجانب الصحيح من التاريخ، فبضدها تتمايز الأشياء، كما يقال.
وتأسيسا على هذا فإن الموقف السوري بات واضحا منذ الصباح الأغر للثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 حين اصطف القادة الجدد إلى جانب الأشقاء في الدول العربية، وتحديدا الخليجية، ومعهم الأشقاء في تركيا، والقوى المحبة للسلام.
فلعقود لم تكن سوريا في صف خصوم المنطقة، ولا خنجرا في ظهرهم، فسوريا قادرة بإذن الله من خلال خبرتها العملية، المستمدة من مقاومة الاستبداد والطغيان والاحتلال، على أن تكون سندا لأهلها في المنطقة، وقادرة أيضا أن تردع كل من أراد بها شرا وسوءا، فالمنطقة بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول ليست هي ذاتها قبله، وعلى القوى التي تربصت وتتربص بها وبأهلها، أن تعي هذه الحقيقة الصارخة اليوم، بحجم الصرخة التي أطلقتها درعا في الثامن عشر من مارس/ آذار، فأثمرت ثمارا يانعة لسوريا والمنطقة بل للعالم بأسره.
حين تنطق دمشق فإن التاريخ هو الذي ينطق، ومعه تنطق الجغرافيا والجيوبوليتيك، ومن هنا يقرأ حديث الرئيس أحمد الشرع عن دعم ومساندة الدولة اللبنانية فيما ذهب إليه رئيسها جوزيف عون بنزع سلاح حزب الله.
فالدولة السورية اليوم تستمد نظرتها لسوريا والمنطقة من نظرة شمولية قائمة على ضرورة سيادة الدولة، بعد أن لمسنا في سوريا وغيرها شرور وآثام عقيدة تسلط المليشيات على حساب سلطان الدولة، فوجود سلاح خارج الشرعية يمزق لبنان، ويضعف سيادتها داخليا وخارجيا، بل تتعدى سلبيات هذا السلاح الدولةَ إلى ما جاورها.
ثمة دولتان في المنطقة مع عملائهما متفقتان على زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا الجديدة، وهما إيران وأذرعها، وإسرائيل وعملاؤها، لكن جردة حساب العام الماضي أظهرت تماما أن هذه المحاولات يائسة، وهي أشبه ما تكون بمحاولات حرث بالبحر، لا سيما مع النجاحات السورية التي يلمسها العالم بشكل لحظي ويومي، وعلى كل الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية، ومعها تعظيم الحضور السوري على المستوى العربي والإقليمي والدولي، فالاستثمار الحقيقي اليوم في سوريا بالمستقبل القائم على أساس التنمية والتطوير.
سوريا الجديدة، ينبغي أن تقرأ اليوم كحالة منقطعة تماما عن حالة وظاهرة تاريخ آل الأسد، ومن أراد أن يقرأها من خلال كاتالوغ الأسد وعصاباته فهو مخطئ، وسيصل إلى نتائج كارثية عليه أولا وأخيرا.
فسوريا الجديدة لها كاتالوغها الخاص المستمد من حكاية صمود، وبطولة أسطورية، نُسغ جذورها مستمد من دماء مليون شهيد وعذابات 14 مليون مهجّر، ومعها حكاية شعب لم يستسلم، رغم المؤامرات التي تعرض لها، صمود يتناغم مع انسجام والتحام شعبي، يعززه التحام أهل المنطقة، آمالا وآلاما، عذابات، ومسرات، أفراحا وأتراحا، وإن كنا نعتقد أن عصر الأتراح، بإذن الله، قد ولى مع حالة التضامن والمحبة العائدة للشعوب.
النداء السوري اليوم 963 ليس كما كان في السابق، فقد انبعث من ركام المعاناة والتضحية، ونحن نرى القيادة الشابة الديناميكية، المتابعة والمتفاعلة مع أحداث المنطقة، حاضرة بقوة على امتداد الساعة، فلا يمكن تجاهل سوريا ودورها وقيادتها اليوم، وبمثل هذا الحضور والتفاعل وهذه العودة التاريخية كلها يتعزز الحضور العربي، ونكبح من خلاله جماح الخصوم، بإذن الله، لا سيما في ظل الالتفاف الشعبي السوري، ومعه الالتفاف العربي والعالمي حول هذه الدولة الجديدة.
إن الاجتماع الذي عقده أخيرا وفد رفيع المستوى من المملكة الأردنية الهاشمية، حيث ضم وزير الخارجية ورئيسَ الأركان، ومدير المخابرات العامة مع نظرائهم في الجمهورية العربية السورية، له ما بعده، إذ يؤشر لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، ويعكس بالمقابل حاجة المنطقة والعالم إلى سوريا الجديدة، التي تقف اليوم على خط النار في مواجهة الإرث الأسدي من كبتاغون وإرهاب إجرامي، بالإضافة إلى الحاجة إليها في تعزيز الاستقرار والسلام، بعد أن جعل منها الأسد واحة للفوضى والاضطراب على مدى تاريخه البائس.
إن الثقة الإقليمية والعالمية استطاعت القيادة السورية بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول استعادتها، بعد أن غابت بفعل السياسة الرعناء للقيادة المجرمة البائدة، لقد انتزعت الدولة الجديدة نصرها وفتحها من أنياب الضباع والوحوش، ولم تكتفِ بالنصر العسكري، وإنما ترجمت هذا الانتصار العسكري، لانتصارات سياسية واقتصادية، وفك للعزلة الدولية التي كبلت سوريا ونهضتها، لعقود، فدفعت ثمنا باهظا بتخلفها عن الركب العربي والعالمي، وهو ما يلمسه كل زائر لسوريا وعاصمتها دمشق.
لقد صدق شوقي حين نظر إلى البحر الأبيض المتوسط فقال: يا أبيض الآثار والصفحات ضيع من أضاعك.. أما اليوم فقد عاد المتوسط وعادت معه الشام لأهلها وعزها ومجدها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











