محمد يالتشين يلماز - ستار (21/05/2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

إن سيناريو التدخل في إيران ابتعد عن أجندات مثل المنشآت النووية، والقدرات الصاروخية، وتغيير النظام، ليترك مكانه لمعادلة معقدة. فالواقع الميداني اليوم تحول إلى مشهد تصبح فيه الضغوط الاقتصادية أكثر تأثيرًا من النتائج العسكرية. إن التضييق الحاصل في مضيق هرمز، بينما يحد من تدفق الطاقة، يؤثر أيضًا بشكل مباشر على سلاسل التجارة العالمية، مما يحول الأزمة من قضية إقليمية إلى مسألة عالمية. وكما أكدنا منذ العام الماضي، فقد تحولت إلى أزمة نظام تشارك فيها القوى الكبرى في الوقت نفسه.

ويجب قراءة زيارة ترامب إلى بكين في هذا السياق. ففي الظروف الطبيعية، كان من المتوقع أن تحمل مثل هذه الزيارة طابع «جولة نصر» بعد الحرب. لكن الواقع الميداني لم يسمح بذلك. فإيران لم تستسلم، ولم يُفتح هرمز، وتعزز الشرخ الأمريكي-الأوروبي، ولم يقدم الحلفاء الدعم المتوقع. وفي ظل هذه الظروف، لم تعد زيارة ترامب إلى الصين خيارًا بل أصبحت ضرورة. كما أن مضمون الزيارة عكس هذا المأزق. إذ تُناقش ملفات التجارة، وترافقه وفود من الشركات، لكن لا يبدو أن هناك توافقًا استراتيجيًا ملموسًا قد تحقق. أما الجانب الصيني، فيستخدم لغة حذرة؛ فلا يخضع لضغوط ترامب، ولا يشكل جبهة مواجهة علنية. ويمكن تفسير هذا الوضع على أنه سعي لتأجيل الأزمة.

أما القضية الأساسية الكامنة وراء الزيارة فهي وضع مضيق هرمز. فالأطراف اليوم تخوض نقاشًا أعمق بكثير من مجرد سؤال: «هل المضيق مفتوح أم مغلق؟». فالولايات المتحدة تريد العودة إلى نظام العبور الحر الذي كان قائمًا قبل الحرب، بينما ترفض إيران ذلك وتسعى، عبر فرض السيطرة على حركة العبور، إلى إقامة توازن اقتصادي وسياسي جديد. ولهذا السبب، فإن طاولة المفاوضات باتت عالقة عند ملف هرمز قبل الملف النووي. ففي حين تريد الولايات المتحدة تحقيق نتائج عبر مواصلة الضغط، تبدو طهران مصممة على عدم إعطاء صورة تفاوض وهي تحت الحصار. وهذا التناقض يمنع انهيار الدبلوماسية بالكامل، لكنه يجعل تقدم المفاوضات أكثر صعوبة.

ويصبح موقف الصين أكثر حسمًا. لأن التضييق في هرمز يؤثر مباشرة على حركة الطاقة الصينية. فبكين لا تريد إطالة أمد الحرب، لكنها أيضًا لا تقبل بأن تكون جزءًا من نظام الضغط الذي أسسته الولايات المتحدة. ولهذا، فإن المقاربة الصينية تقوم على إدارة التوازن/تأجيل الأزمة بدلًا من إنتاج حل مباشر. فهي لا تترك إيران وحيدة بالكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تدخل في مواجهة علنية مع القيادة الأمريكية. وهذا ما يجعل الصين ليست وسيطًا بالمعنى التقليدي، بل فاعلًا عالميًا موازنًا.

أما ذهاب الزعيم الروسي بوتين إلى بكين مباشرة بعد زيارة ترامب، فقد نقل هذه المعادلة إلى إطار أوسع. فعلى عكس ما كانت تستهدفه الولايات المتحدة منذ وقت طويل من إحداث شرخ بين الصين وروسيا، يبدو أن التعاون بين البلدين يتزايد. فالتعاون المتعمق في مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا يظهر كنتيجة غير مباشرة للحرب الإيرانية. كما أن توجه روسيا نحو آسيا بسبب العقوبات، وقيام الصين بملء هذا الفراغ، يخلقان توجهًا يبعد الشبكة الاقتصادية العالمية جزئيًا عن الغرب. وهكذا، بدأت الحرب الإيرانية تؤثر ليس فقط في ميزان القوى في الشرق الأوسط، بل أيضًا في اتجاه التجارة العالمية.

وعند النظر إلى هذا المشهد من واشنطن، يظهر مأزق خطير. فالتوقع بتحقيق نتائج سريعة عبر التدخل العسكري لم يتحقق. أما الضغط الاقتصادي فيحتاج إلى وقت، وفي هذه الأثناء ترتفع الكلفة العالمية. كما أن تراجع الدعم داخل الرأي العام الداخلي يضيق أكثر مساحة المناورة أمام ترامب. ولهذا، ففي الوقت الذي تستمر فيه الخطابات الحادة، لا يتم إغلاق باب التفاوض بالكامل. والمشهد الناتج يشير إلى حالة بحث أكثر من كونه تعبيرًا عن حسم.

وعند تقييم كل هذه التطورات معًا، يبدو أن حل الأزمة لم يعد ممكنًا من قبل طرف واحد. فالحرب الإيرانية خرجت من كونها عملية تستطيع الولايات المتحدة توجيهها بمفردها. وبالمثل، فإن الصين تفضل إبقاء هذه الأزمة ضمن توازن مضبوط بدلًا من تحويلها إلى فرصة أحادية الجانب لصالحها. ولهذا، فإن البنية التي تتشكل اليوم لا تشير إلى عملية سلام كلاسيكية، بل إلى مرحلة يضغط فيها الأطراف على بعضهم البعض، لكن يتم الحفاظ فيها على التوازن بسبب سلاسل الاعتماد التي ولدها نظام الإنتاج/التجارة العالمي.

وفي النقطة التي وصلنا إليها اليوم، لم تعد المسألة الأساسية هي الخطوة التي ستتخذها إيران أو الولايات المتحدة، بل كيف سيتطور ميزان القوى الجديد المتشكل عبر هرمز. فهل سيبقى هذا التوازن محصورًا في هدنة مؤقتة، أم سيتحول إلى نظام دائم يعيد تعريف تدفقات الطاقة، وطرق التجارة، وعلاقات القوى الكبرى؟ لا توجد حتى الآن إجابة واضحة على هذا السؤال. لكن ما يبدو واضحًا هو أن الأطراف لا تسعى بقدر ما إلى إقامة نظام جديد، بل إلى البحث عن توازن يمكنه إبقاء النظام القائم حيًا من دون أن ينهار بالكامل.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!