
نجم الدين أجار - كريتيك باكيش - ترجمة وتحرير ترك برس
اندلعت حرب الخليج الثالثة في 28 فبراير/شباط مع الهجمات الاستفزازية التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، ولم تعد مجرد صراع إقليمي، بل أفرزت نتائج ذات أبعاد عالمية. وفي مقدمة هذه النتائج ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من اضطرابات أصابت الاقتصادات المعتمدة على موارد الهيدروكربون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ على وجه الخصوص. وكان من المتوقع أن تكون الصين، باعتبارها أكبر مشترٍ لموارد الطاقة في المنطقة، والدولة التي تتزايد احتياجاتها من الطاقة بالتوازي مع نموها الاقتصادي، من أكثر الأطراف تضررًا من هذه الأزمة، وبالتالي من أكثرها ضغطًا من أجل إيجاد حل لها. ومع ذلك، حافظت بكين على صبرها الاستراتيجي في مواجهة صدمة الطاقة التي خلّفتها أزمة هرمز، وفضّلت عدم الاصطفاف العلني مع أي طرف في الأزمة.
إن التوقع بأن الصين ستتبنى موقفًا أكثر حدة ووضوحًا في أزمة هرمز بدافع حماية أمنها الطاقي، نابع من قراءة غير مكتملة لهرمية المصالح الصينية في المنطقة. فالصين باتت تمتلك قدرة على امتصاص صدمات إمدادات الطاقة إلى حدّ معين، ولذلك لا ترى ضرورة للتدخل في الأزمة بدافع أمن الطاقة وحده. أما الخط الأحمر الحقيقي بالنسبة لبكين فلا يتعلق بتدفق النفط بقدر ما يتعلق بأمن مئات الآلاف من المواطنين الصينيين المقيمين في المنطقة، وحماية استثماراتها التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات. ولهذا السبب، ستواصل الصين نهجها الحذر والمنخفض الظهور والقائم على الصبر، ما لم يظهر تهديد مباشر يستهدف مواطنيها أو استثماراتها رغم التوتر القائم في هرمز.
المرونة الطاقية: نفط الخليج لم يعد ضرورة لا غنى عنها
تُعد الصين اليوم أكبر مشترٍ عالمي في قطاع الهيدروكربونات بلا منازع، إذ يبلغ استهلاكها النفطي اليومي نحو 15 مليون برميل، فيما تتجاوز وارداتها النفطية 10 ملايين برميل يوميًا. كما أن اعتمادها على منطقة الخليج العربي لتأمين نحو نصف هذه الواردات الضخمة غذّى لفترة طويلة الاعتقاد بأن بكين ستتبنى تلقائيًا سياسة أكثر حساسية وتدخلاً تجاه أي أزمة تشهدها المنطقة. وكان يُفترض أن أي صدمة تهدد تدفق الطاقة ستدفع الصين إلى تبني سياسة خارجية أكثر وضوحًا بهدف تهدئة الأسواق وضمان أمن الإمدادات. ولهذا، تحولت فرضية لجوء الصين إلى سياسات تدخلية في حال وقوع أزمة في مضيق هرمز إلى أطروحة متكررة لدى العديد من المحللين.
غير أن هذه التوقعات تغفل بشكل جوهري الطريقة التي أعادت بها الصين خلال العقد الأخير تصميم طلبها على الطاقة وهشاشتها البنيوية. فبينما قامت بكين بتوسيع قدراتها في مجال الطاقة المتجددة بسرعة كبيرة، حافظت في الوقت نفسه على الدور المركزي للفحم ضمن استهلاكها للطاقة. ولا يزال الفحم يشكل نحو 66% من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين، ما يمنحها آلية عازلة مهمة في مواجهة صدمات النفط. وفي الوقت ذاته، دمجت الصين تحولها الطاقي بشكل عضوي مع سياستها الصناعية من خلال استثمارات ضخمة في تقنيات البطاريات وإنتاج الألواح الشمسية وطاقة الرياح. وقد أخرج هذا المزيج متعدد الطبقات الطلب على الهيدروكربونات من مسار “الزيادة الحتمية”، ووضعه ضمن مسار يمكن التحكم فيه بل وحتى تقليصه.
ويُعد النجاح الذي حققته الصين في مجال السيارات الكهربائية من أبرز العوامل التي خففت الضغط على الطلب النفطي. إذ إن الجزء الأكبر من استهلاك النفط — والذي يقدَّر بنحو 90% في الاقتصادات المعتمدة على المركبات — يرتبط بقطاع النقل والاستخدامات المرتبطة بالمحركات. وبحلول عام 2023، أصبحت السوق الصينية للسيارات الكهربائية تمثل أكثر من نصف الإنتاج العالمي، فيما تنضم ملايين السيارات الكهربائية الجديدة إلى الطرق سنويًا. وكلما أمكن تقليص الطلب المرتبط بالنقل بهذا الشكل، ضعفت قنوات انتقال صدمات النفط العالمية إلى الاقتصاد الداخلي بصورة هيكلية. وتنظر بكين إلى هذا التحول ليس فقط كهدف بيئي، بل أيضًا كأداة استراتيجية لضمان أمن الطاقة.
أما العامل الحاسم الثاني الذي يعزز هذه المرونة فهو التنويع الجغرافي لمصادر التوريد. فبعد أن كانت الصين تعتمد بصورة أكبر على نفط الخليج الخاضع تاريخيًا للهيمنة الأمريكية، قامت بشكل منهجي بتوسيع خطوط الإمداد البديلة من روسيا وفنزويلا وأنغولا وكازاخستان والبرازيل، الأمر الذي أضعف نسبيًا قدرة واشنطن على التحكم بملف الطاقة الصيني. وحتى في حال انقطاع نفط الخليج بالكامل، تستطيع الصين امتصاص آثار الصدمة عبر تفعيل شبكة الإمداد البديلة هذه. واليوم، في حال الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، فإن أقل من 5% فقط من إجمالي الطلب الصيني على الطاقة سيكون معرضًا للخطر.
وبناءً على ذلك، فعلى الرغم من أن اعتماد الصين على نفط الخليج يبدو كبيرًا من حيث الأرقام، فإن وضعها من ناحية أمن الطاقة أكثر مرونة بكثير مما يتوقعه معظم المحللين. إذ لا تشكل واردات النفط سوى نحو 10% من إجمالي استهلاك الطاقة، بينما يتم تأمين البقية من الفحم والطاقة المتجددة والطاقة النووية. وهذه المرونة البنيوية تمنح الصين قوة تفاوضية أكبر في الأزمات الجيوسياسية، كما تدفع بكين إلى تبني سياسة “الصبر الاستراتيجي” بدلًا من “التدخلية الانفعالية”.
تجربة ليبيا واليمن: البحرية الصينية تتحرك من أجل المواطنين لا النفط
عند تحليل المصالح الاستراتيجية الصينية في منطقة الخليج العربي، يركز المراقبون الغربيون غالبًا على النفط باعتباره العامل الأساسي. فكون الصين تؤمن نحو نصف وارداتها النفطية اليومية البالغة 10 ملايين برميل من هذه المنطقة، يعزز الاعتقاد بأن أمن الطاقة يمثل الأولوية المطلقة لبكين. لكن عند دراسة ردود الفعل الفعلية للحزب الشيوعي الصيني، يتضح أن قمة هرم المصالح الصينية لا تتمثل في النفط كما يُعتقد، بل في أمن المواطنين الصينيين.
ففي الإمارات العربية المتحدة وحدها يعيش ما بين 370 ألفًا و400 ألف مواطن صيني، بينما يتجاوز عدد الصينيين المقيمين في منطقة الخليج الأوسع 500 ألف شخص. ويمثل هذا الرقم تحولًا استراتيجيًا كبيرًا مقارنة بالحضور المحدود الذي كان لا يتجاوز بضعة آلاف خلال تسعينيات القرن الماضي. ومن منظور بكين، لا يُنظر إلى هذه الكتلة السكانية باعتبارها مجرد فاعل اقتصادي، بل باعتبارها عنصرًا من “عقد المواطنة” الذي يؤثر مباشرة على شرعية نظام الحزب الشيوعي داخليًا.
وقد جسّدت الصين هذه الأولوية عمليًا عندما قامت بإجلاء 35 ألف مواطن من ليبيا وآلاف آخرين من اليمن، مستخدمة حتى قدراتها العسكرية أثناء الأزمات. وخلال التوتر الإيراني عام 2026، أصبح أكثر من ألفي بحّار صيني عالقين في الخليج العربي، إضافة إلى الصحفيين المعرّضين للخطر، عاملًا رئيسيًا يحدد رد فعل بكين. فبالنسبة للحزب الشيوعي الصيني، فإن العجز عن حماية المواطنين يعني خسارة شرعية داخلية لا يمكن تعويضها، بينما تبقى تقلبات أسعار النفط مخاطر يمكن إدارتها عبر أدوات تقنية واقتصادية.
وتأتي استثمارات الشركات الصينية في المرتبة الثانية ضمن هرم الأولويات. فقد استثمرت الصين خلال السنوات الخمس عشرة الماضية نحو 101 مليار دولار في دول مجلس التعاون الخليجي. ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، رسخت الشركات الصينية المملوكة للدولة وجودها في قطاعات الموانئ والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، لتتحول هذه الاستثمارات إلى تجسيد ملموس للنفوذ الصيني في المنطقة. واليوم، تُعد الصين أكبر مستثمر في المنطقة مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا اللتين تربطهما علاقات تمتد لأكثر من قرن مع الخليج.
ولا توفر هذه الاستثمارات عوائد اقتصادية فقط، بل تمنح الصين أيضًا مكاسب جيوسياسية. فمراكز التجارة مثل “دراجون مارت” في دبي، وحصص المشاريع الطاقية، واتفاقيات البنية التحتية اللوجستية، كلها تشكل ركائز لبناء وجود صيني دائم واستراتيجي في المنطقة. وفي حال تعرض هذه الأصول للضرر أثناء الأزمات، فإن الخسارة لن تكون مالية فقط، بل ستشمل أيضًا تراجع المكانة العالمية للصين وتدهور بيئة الاستثمار المستقبلية.
أما النفط، فيأتي — في أفضل الأحوال — في المرتبة الثالثة ضمن هذه الهرمية. ويعود ذلك إلى أن مساهمة النفط في مزيج الطاقة الصيني محدودة نسبيًا، إذ تقل عن 10%، بينما يظل الفحم المصدر المهيمن بنسبة 66%، مع استمرار النمو السريع للطاقة المتجددة. كما أن الصين نجحت في تنويع مصادر الإمداد لتشمل روسيا وفنزويلا وأنغولا وكازاخستان. وبالتالي، فإن نفط الخليج بالنسبة للصين ليس موردًا لا يمكن الاستغناء عنه، بل مصدرًا يمكن تعويضه.
ولهذا، فإن رد الفعل الأول لبكين في حرب الخليج الثالثة التي بدأت مع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، سيكون حماية المواطنين الصينيين، يليه تأمين الأصول والاستثمارات المؤسسية. أما استمرار تدفق النفط فسيبقى مصدر قلق في المرتبة الثالثة أو حتى الرابعة، لأن الصين بنت بالفعل قدرة هيكلية تمكّنها من امتصاص صدمات الطاقة.
إن فهم السياسة الصينية تجاه الخليج العربي يتطلب التحرر من مقاربة أمن الطاقة التقليدية فقط. فموقف “الصبر الاستراتيجي” الذي تتبناه بكين تجاه أزمة هرمز لا يعكس حالة من السلبية، بل هو نتيجة طبيعية لتحولات بنيوية عميقة وإعادة تعريف لأولويات المصالح الصينية. فخلال العقد الأخير، نجحت الصين في تنويع مزيج الطاقة، وزيادة قدرات الطاقة المتجددة، وإحداث ثورة في قطاع السيارات الكهربائية، ما أدى إلى تقليص اعتمادها البنيوي على نفط الخليج. واليوم، فإن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز لن يعرّض سوى أقل من 5% من إجمالي الطلب الصيني على الطاقة للخطر، وهو مستوى لا يشكل بالنسبة لبكين عتبة كافية لتبني سياسة تدخلية.
أما العامل الحاسم الحقيقي فهو وجود أكثر من 500 ألف مواطن صيني في المنطقة، إلى جانب استثمارات مؤسسية تبلغ قيمتها 101 مليار دولار. فبينما تُعد أسعار النفط بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني مشكلات تقنية قابلة للإدارة، فإن أمن المواطنين يمثل خطًا أحمر يمس شرعية النظام داخليًا بشكل مباشر. ولذلك، ستواصل بكين نهجها المنخفض الظهور في الخليج ما لم يظهر تهديد مباشر يستهدف المواطنين أو الشركات الصينية.
وقد سبق أن واجهت الصين أزمات مشابهة في ليبيا واليمن، حيث أرسلت البحرية الصينية لتنفيذ عمليات إجلاء للمواطنين، وحققت هذه العمليات نجاحًا كبيرًا عزز من مكانة النظام داخليًا. فقد تم إجلاء 35 ألف مواطن من ليبيا وآلاف آخرين من اليمن بأمان، الأمر الذي استثمره الحزب الشيوعي الصيني لإظهار قدراته العسكرية وتعزيز رواية “الدولة التي تحمي مواطنيها”. وظلت القيادة الصينية لسنوات تتفاخر بنجاح البحرية في إنقاذ المواطنين، كما استخدمت تلك العمليات مادة دعائية داخلية. وتكشف هذه التجارب بوضوح هرمية الأولويات الصينية في الخليج: يمكن أن يتوقف تدفق النفط، لكن لا يمكن أبدًا تعريض أمن المواطنين الصينيين للخطر.
ويُبطل هذا الواقع المعادلة التي يكررها كثير من المحللين الغربيين والقائمة على أن “الاعتماد الطاقي يعني التدخلية”. فسياسة الصين في الخليج لم تعد تُبنى على تدفق الهيدروكربونات بقدر ما ترتكز على حماية رأس المال البشري والأصول المؤسسية. واستمرار واشنطن في عدم استيعاب هذه المعادلة الجديدة سيقودها إلى سوء تقدير ردود فعل بكين تجاه الأزمات الإقليمية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









