د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، تحل على المسلمين أيام وليالٍ عظيمة مليئة بالبركات والخيرات، ففيها تتضاعف الحسنات، ويغفر الله ذنوب عباده، كما يمنحهم فرصةً لتعويض ما فاتهم من أعمال الخير خلال الشهر. وتتميز هذه الأيام بفضائل عديدة وخصائص جليلة، من أبرزها أن النبي ﷺ كان يزيد فيها اجتهاده في العبادة أكثر من سائر أيام رمضان، فقد ورد في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: ((َأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَجْتَهِدُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ)) [مسلم (1175)].

فكان رسول الله ﷺ يكثر في هذه الليالي من مختلف أنواع الطاعات والعبادات؛ فيطيل الصلاة، ويكثر من تلاوة القرآن، ويُكثر من الذكر والصدقة وسائر القربات. ولهذا تُعد هذه الأيام فرصة ثمينة وغنيمة عظيمة لمن وفقه الله تعالى لاستغلالها بما يقربه إليه (1).

ولا يليق بالمؤمن العاقل أن يضيّع هذه الفرصة النفيسة لنفسه أو لأهله، فهي ليالٍ قليلة قد ينال فيها العبد نفحةً من نفحات رحمة الله تكون سبب سعادته في الدنيا والآخرة، ومن المؤسف أن كثيراً من الناس يفرّطون بهذه الأوقات الثمينة، فيقضون لياليهم في اللهو والعبث، فإذا جاء وقت القيام ناموا وفاتهم خيرٌ كثير قد لا يتكرر لهم مرة أخرى. وهذا من مكائد الشيطان الذي يسعى لإبعاد الناس عن طريق الخير والطاعة، ويحرمهم عظيم الأجر والثواب (2).

إن العشر الأواخر من رمضان أوقاتٌ مباركة ونفحات ربانية ينبغي للمسلم أن يغتنمها ويستثمر كل لحظة فيها في العبادة والعمل الصالح، مع الحرص على تجنب الخصومات والخلافات وتنقية القلب من الغلّ والحسد والبغضاء، فهذه الصفات السيئة قد تكون سبباً في حرمان صاحبها من المغفرة والرحمة، ومن أراد أن ينال عفو الله فليعفُ عن الناس وليبادر إلى الصفح والتسامح (3).

كما ينبغي للمسلم أن يفرّغ نفسه في هذه الأيام لعبادة الله تعالى، وأن يتحرى ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها:  ((أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ)) [مسلم (1172)].

والاعتكاف يهدف إلى أن ينقطع المسلم عن الدنيا لعبادة ربه، فيخلو بنفسه لمناجاة الله تعالى، ويكثر من الدعاء، ويحاسب نفسه، ويقرأ القرآن ويتدبر معانيه، ويكثر من الصلاة والتفكر في أمور دينه، ويجتهد في إصلاح نفسه وتزكية قلبه، فيقضي المعتكفُ معظم وقته في هذه الأعمال رجاء أن يتقبله الله ضمن عباده الصالحين وأن يعتق رقبته من النار (4).

وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يحرصون على الاجتهاد في هذه الليالي المباركة أشد الحرص، فكانوا يغتسلون ويتطيبون لها، ويوقظون أهلهم ليشاركوهم في قيام الليل والطاعات، وقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه كان يحب إذا دخلت العشر الأواخر أن يكثر من التهجد وأن يوقظ أهله وأولاده للصلاة إن استطاعوا، إذ قال في ذلك: "أَحبّ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يَتهجَّد باللَّيل، ويَجتهِد فيه، ويُنهِض أهله وولدَه للصَّلاة إن أطاقوا ذلك".كما كانوا يولون القرآن عناية خاصة في هذه الأيام؛ فقد روي عن قتادة رحمه الله أنه كان يختم القرآن كل ثلاثة أيام في رمضان، فإذا دخلت العشر الأواخر ختمه كل ليلة  (5).

إن هذه الليالي الكريمة تمثل فرصة عظيمة للمسلم ليملأ أوقاته بكل عمل صالح يقربه إلى الله، فيكثر من الركوع والسجود، ويقوم بين يدي ربه خاشعاً، فالنفس إن لم تُشغل بالطاعة شغلت صاحبها بالمعصية، واتبع الإنسان هواه فيما يغضب الله. لذلك ينبغي للمؤمن أن يحذر من الوقوع فيما يبعده عن ربه، وأن يكون حريصاً على طاعته حيث أمره، بعيداً عما نهاه عنه.

المراجع:

1. مجالس شهر رمضان، محمد صالح العثيمين، تحقيق: أشرف بين عبد المقصود، (مكتبة أصول السلف)، الطبعة الأولى 1996، ص237 ــ 247.

2. وقفات مع الصائمين، د. فالح الصغير، (دار العاصمة للنشر)، الطبعة الأولى 1997، ص128

3. العشر الأواخر، د.خالد حنفي، اطّلع عليه بتاريخ 12/4/2023الجزيرة.

4. مجالس شهر رمضان، محمد صالح العثيمين، تحقيق: أشرف بين عبد المقصود، ( مكتبة أصول السلف)، الطبعة الأولى 1996، 237 ــ 247

5. د.محمد ويلالي (2009-11-10)، العشر الأواخر من رمضان وليل الصالحين، اطّلع عليه بتاريخ 2020-2-15.

عن الكاتب

د. علي محمد الصلّابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس