
أوغوزهان بيلغين - صحيفة أكشام (30.04.2026) - ترجمة وتحرير ترك برس
منذ فترة وأنا في بودابست. أتابع الوضع السياسي في المجر التي تجاوزت انتخابات متوترة وبدأت تعيش تحولًا سياسيًا مهمًا.
لا تزال الانتخابات المجرية منذ أسابيع مادةً مطروحة على جدول الأعمال في تركيا. بل ربما كانت تركيا أكثر دولة في العالم نوقشت فيها هذه النتائج. وقد يُعتقد أن أسباب هذا الاهتمام تعود إلى العلاقات التي تطورت إلى مستوى متقدم بين المجر وتركيا خلال السنوات الأخيرة، أو إلى الروابط التاريخية، أو إلى انضمام المجر إلى منظمة الدول التركية.
لكن هذا الاهتمام، أكثر من كل ذلك، نابع من قيام بعض المعلقين والأكاديميين المعارضين في تركيا بإقامة تشابهات خيالية بين السياسة المجرية والسياسة التركية. كما أن امتلاك الرأي العام المعارض في تركيا، في كثير من الأحيان، لأجندة سريالية، وانشغاله بنقاشات غريبة يضخمها داخل غرف الصدى الخاصة به بدلًا من الانشغال بالقضايا الكبرى في العالم ومنطقتنا وتركيا، يُعد أيضًا مشكلة تستحق التوقف عندها. إذ إن الانشغال بأجندات هامشية وغريبة في عالم مليء بهذا القدر من الأزمات والتهديدات والمخاطر، لا يؤدي فقط إلى إفقار أرضية النقاش، بل يجعل شريحة مهمة من تركيا تبقى في حالة من الجهل واللامبالاة تجاه التهديدات الإقليمية والعالمية.
وهكذا، جرى تناول الانتخابات المجرية داخل الرأي العام المعارض من خلال إقامة تطابق بين أردوغان وأوربان، ومن خلال افتراض إمكانية حدوث نتيجة مشابهة في تركيا انطلاقًا من هزيمة أوربان. والذين يقرأون هذه الجملة ويسألون: «ما علاقة نتائج الانتخابات في المجر بالانتخابات في تركيا؟» هم على حق تمامًا. صحيح أنه يمكن تشبيه الزعيمين جزئيًا من حيث بقائهما الطويل في السلطة، وكونهما سياسيين قوميين محافظين، ودفاعهما عن الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة الغرب، لكن لماذا ينبغي أن يخسر أردوغان في تركيا فقط لأن أوربان خسر في المجر؟ لفهم هذا الترابط وتسلسل المنطق فيه، لا بد على ما يبدو من القدوم من العالم الخيالي لغرف الصدى المعارضة والانزلاق إلى اختزال سخيف.
وفوق ذلك، فإن زعيم المعارضة الذي هزم أوربان في الانتخابات المجرية، ماغيار، كان في شبابه يعلّق ملصقات أوربان على جدران غرفته، وكانت زوجته السابقة تشغل منصب وزيرة العدل في حكومة أوربان، ثم أصبح زعيمًا بعد أن فصل مساره عن أوربان إثر سلسلة من الفضائح التي ظهرت مؤخرًا. وهو أيضًا زعيم يميني، قومي بقدر أوربان ومحافظ بقدره.
وفي المحصلة، فإن ما كتبته أنا منذ سنوات، وما ناقشته خصوصًا في تحليلاتي حول تركيا خلال انتخابات 2023، وما جرى طرحه على مستوى رئاسة ترامب في الولايات المتحدة، هو أن القومية تتصاعد في العالم. إلى درجة أن بدائل الزعماء القوميين أنفسهم باتت تخرج أيضًا من داخل التيار القومي.
وهذا يُظهر، في سياق محور الصراع الذي أصبح مهيمنًا اليوم في العالم بين العولميين والقوميين، قوة القوميين من جهة، والانهيار الكبير لليسار والليبراليين من جهة أخرى.
ولا شك أن وراء ذلك تأثيرات التحولات الطبقية على السياسة، ومخاوف الأمن الوجودي تجاه الأزمات العالمية والإقليمية، والطلب على القيادة القوية من أجل الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وردود الفعل على الدمار الذي خلّفته النيوليبرالية، إلى جانب عدد من الديناميكيات الأخرى، لكن الأساس هو ضرورة إدراك أننا نعيش عصر القومية. كما أن الخطاب الثقافي والإيديولوجي للعولميين، المعادي للأسرة والدين والقومية والجندر والدولة، يعزز هذه التفاعلات أيضًا.
أما بعد ذلك، فإن المجر تنتظرها في سياستها الداخلية عملية تصفية كاملة لكل عناصر عهد أوربان، إلى جانب مرحلة متوترة من الحسابات والصراعات.
أما مستقبل علاقات المجر مع تركيا في مرحلتها الجديدة، ودورها في منظمة الدول التركية، ومقاربتها تجاه إسرائيل، وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، فسأتركه للمقال القادم.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس











