
ترك برس
ترى المخرجة والأكاديمية التركية سمرا غوزال كورفر أن السينما الوثائقية السورية تجاوزت دورها التقليدي كأداة توثيق، لتتحول إلى شاهد حي على تفاصيل الحرب ووسيلة لمقاومة النسيان.
وتؤكد أن الكاميرا في هذا السياق لم تعد تنقل الأحداث فحسب، بل باتت تساهم في بناء ذاكرة جماعية تنقل التجربة الإنسانية من داخلها، في مواجهة سرديات خارجية تركز على الأرقام والسياسة أكثر من حياة الناس اليومية.
وتناولت المخرجة التركية تجربة السينما الوثائقية السورية بوصفها أداة تتجاوز التوثيق إلى بناء الذاكرة ومقاومة النسيان. وركزت في كتابها (الحرب في سوريا من خلال كاميرا صانعي الأفلام الوثائقية السوريين) على أن الكاميرا لم تعد مجرد وسيلة فنية، بل تحولت إلى شاهد حي يكتب ما تعجز السرديات التقليدية عن نقله، خاصة في سياق الحرب.
وأوضحت في حوار مع " تلفزيون سوريا"، أن ذاتية المخرجين السوريين لا تنتقص من الحقيقة، بل تمنحها بعدا إنسانيا أعمق، في مقابل سرديات إعلامية عالمية تركز على الأرقام والسياسة. كما شددت على أهمية الأرشيف البصري الذي ينتجه الوثائقيون السوريون، معتبرة أنه يشكل أساسا لذاكرة مستقبلية قد تعيد صياغة التاريخ، إذا ما أتيحت له سبل الانتشار والوصول.
وفيما يلي كامل نص الحوار:
تقولين في التقديم إن "هذا الكتاب الذي بين أيديكم ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو أيضاً محاولة لنقل تجربة الانكسار الكبير الذي عاشه شعب ما إلى العالم من خلال السينما الوثائقية. الهدف لا يقتصر على تقييم سرديات الحرب، بل يتعداه إلى مساءلة موقع هذه السرديات في الذاكرة الجماعية وكتابة التاريخ، وفتح باب النقاش حولها".
إذا لقد انتقلتِ من خلف الكاميرا إلى عالم التحليل والكتابة. كيف ساعدتكِ خلفيتكِ كمخرجة في قراءة ما "خلف الكادر"؟ وهل وجدتِ أن اللغة المكتوبة قادرة على التقاط مشاعر قد تعجز الشاشة أحيانا عن إيصالها؟
بوصفي صانعة أفلام وثائقية، لا أقرأ الكادر الوثائقي بوصفه عنصرا جماليا فحسب، بل أيضا كشكل من أشكال الشهادة، وطريقة لكتابة الذاكرة، ونمطا من أنماط التمثيل. الصورة ليست بريئة أبدا. كل كادر هو اختيار؛ فبينما تجعل شيئا ما مرئيا، فإنك تترك شيئا آخر خارجا. والاختيار بين شيئين هو دائما فعل سياسي.
انطلاقا من هذا الوعي، حاولت أثناء كتابة هذا الكتاب أن أقرأ ليس فقط ما هو داخل الكادر، بل أيضا ما يقع خارجه. ما كنت أستشعره حدسيا كمخرجة، وجدت الفرصة لتأطيره مفاهيميا كباحثة. بهذا المعنى، أصبحت الكتابة مساحة تكشف طبقات لا تستطيع الصورة وحدها إظهارها بالكامل. هناك مشاعر تستطيع الكاميرا التقاطها لكنها لا تستطيع تفسيرها؛ وهذا الكتاب، كما أرى، يتتبع تحديدا ما يبقى غير معبّر عنه.
على سبيل المثال، في فيلم (من أجل سما For Sama) تشاهد حياة أم تحت القصف، ما يخلق أثرا عاطفيا قويا لدى المشاهد. لكن عبر الكتابة، يصبح من الممكن إظهار أن هذه ليست مجرد قصة فردية، بل ذاكرة جيل كامل. بينما تشهد الكاميرا، تقوم الكتابة بالتفسير والتفكيك وتعميق هذه الشهادة.
يحلل عملكِ كيف يوثق المخرجون السوريون "ألمهم الخاص". برأيكِ، هل يخدم هذا الارتباط العاطفي العميق والذاتية الحقيقة التاريخية، أم أنه قد يهدد الموضوعية في الفيلم الوثائقي؟
يتطلب هذا السؤال إعادة التفكير في مفهوم "الموضوعية"، لأن أي فيلم وثائقي ليس محايدا تماما. في سياق الحرب، من غير الواقعي توقع موضوعية باردة أو بعيدة من صانعي الأفلام السوريين الذين يوثقون الأحداث من داخلها، بوصفهم جزءا منها.
كون صانعي الأفلام السوريين يوثقون "ألمهم الخاص" يستدعي إعادة النظر في المفاهيم الكلاسيكية للموضوعية. فالذاتية التي نراها في هذه الأفلام ليست انحرافا، بل عنصرا أساسيا في فعل الشهادة. هنا، لا تكون الكاميرا أداة تباعد، بل شاهدا يتحدث من داخل التجربة نفسها.
هذا يتيح لنا فهم الواقع ليس كحقيقة واحدة ثابتة، بل كوقائع متعددة ومعاشة. المنظور الداخلي لا يضعف الحقيقة التاريخية، بل يضفي عليها بعدا إنسانيا. هذه الأفلام لا تُظهر لنا ما هي الحرب فقط، بل كيف تُعاش.
تذكرين أن بعض الأفلام الوثائقية تحمل "ذاكرة شعب". من خلال بحثكِ، كيف تحولت الكاميرا من أداة فنية إلى فاعل في المقاومة والبقاء في مواجهة محو الهوية؟
تُظهر نتائج هذا البحث أن الكاميرا تتجاوز كونها أداة جمالية فقط؛ إذ تتحول إلى وسيلة للوجود، وللبقاء مرئيا، ولمقاومة المحو. التسجيل في هذا السياق لا يقتصر على التوثيق، بل هو أيضا طريقة للقول: "كنا هنا".
لذلك، يتحول الفيلم الوثائقي في ظروف الحرب من فعل سرد إلى فعل وجود ومقاومة. بهذا المعنى، تصبح الكاميرا ذاتا شاهدة ومتدخلة في آن واحد. إنها أداة أساسية لمقاومة محو الهوية والذاكرة، ووسيلة لبناء ذاكرة جماعية، وتكتسب بذلك بعدا وجوديا عميقا.
تتناولين في كتابكِ فهم وسائل الإعلام للواقع. كيف يختلف تصوير المخرج السوري لحربه الخاصة عن سرديات الإعلام العالمي؟ وما المفاهيم الخاطئة عن الداخل السوري التي سعيتي إلى تصحيحها في هذا الكتاب؟
غالبا ما تتناول وسائل الإعلام العالمية الحرب في سوريا من خلال التوازنات الجيوسياسية والفاعلين والمصالح الاستراتيجية وأعداد اللاجئين والخرائط والمجموعات العرقية أو المتطرفة. في المقابل، يروي صانعو الأفلام الوثائقية السوريون الحرب من داخل الحياة اليومية، عبر تجارب هشة ومجزأة.
هناك فرق واضح في الحجم والحساسية بين هاتين السرديتين. كان أحد أهدافي الأساسية في هذا الكتاب هو إظهار الأبعاد الإنسانية التي غالبا ما يتم إغفالها في السرديات السائدة التي تُبنى من الخارج. لأن الحرب لا تُعاش على الخرائط فقط، بل في الأجساد والذاكرة والحياة اليومية.
على سبيل المثال، في فيلم (Last Men in Aleppo) لا نتابع استراتيجيات عسكرية، بل نشاهد الحياة اليومية لمتطوعين ينقذون الناس من تحت الأنقاض. واقع الحرب لا يقتصر على الجبهات، بل يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية. يكشف صانعو الأفلام السوريون الحرب كما تُرى وتُحس من الداخل.
مع الأرشيف الضخم الذي أنشأه صانعو الأفلام السوريون، هل تعتقدين أن هذه الأعمال ستصبح المرجع التاريخي الأساسي للأجيال القادمة، أم ستبقى محصورة ضمن دوائر "السينما النخبوية" والمهرجانات الدولية؟
يشكل الأرشيف البصري الذي أنتجه صانعو الأفلام الوثائقية السوريون موردا بالغ الأهمية لذاكرة المستقبل، من حيث كثافته وطبيعته الشهادية المباشرة. تعمل هذه الأفلام كأرشيفات بديلة، وكتواريخ مضادة، وأشكال لإنتاج الذاكرة الجماعية.
في بعض الأحيان، يمكن لفيلم وثائقي واحد أن يقول أكثر مما تقوله كتب التاريخ الرسمية لبلد بأكمله. يمكن لهذه الأفلام مستقبلا أن تتحدى السرديات الرسمية، وتُظهر شهادات ضائعة، وتحفظ الذاكرة المحلية، وتساهم في تشكيل هويات الشتات.
لكن طريقة تداول هذه الذاكرة ستكون حاسمة. إذا بقيت هذه الأفلام ضمن نطاق المهرجانات، فستصل إلى جمهور محدود. أما إذا دُعمت من خلال العمل الأكاديمي والأرشفة الرقمية وشبكات العرض البديلة، فقد تتحول إلى مراجع تاريخية متاحة وتؤثر فعليا في الوعي التاريخي وكتابة التاريخ. لذلك، لا تكمن القضية في الإنتاج فقط، بل في التداول وإمكانية الوصول.
برأيك.. كيف وثّقت هذه الأفلام واقع الحرب "الحقيقية" في سوريا؟
تُظهر هذه الأفلام أن الحرب لا تقتصر على ساحات القتال. فالحرب الحقيقية غالبا ما تُعاش في الحياة اليومية: في الانتظار، في الفقد، في النزوح، وفي الصراع من أجل البقاء.
توثق هذه الأفلام مدنا مدمرة، وعائلات متفرقة، ومستشفيات، وشبابا وأطفالا ونساء، وأحلاما. الأفلام التي حللتها تعمّق تحديدا هذه الأبعاد غير المرئية. وبذلك، تحول المشاهد من متلقٍ سلبي إلى شاهد فاعل.
تاريخ يُكتب بالذاكرة البصرية
يذكر أن الكتاب يعالج أعمال مخرجين مثل وعد الخطيب وطلال ديركي وفراس فياض وأسامة محمد، من خلال دراسة كيفية تحول الشهادات الفردية إلى ذاكرة جماعية، وكيف ترافق السرديات البصرية والسمعية التاريخ الرسمي. كما تحلل كورفر لغة السرد في هذه الوثائقيات ضمن مفاهيم التمثيل، والواقع، والدعاية.
ولا يقتصر العمل على تحليل المحتوى فقط، بل يقدم تقييما شاملا للمقاربات السينمائية في هذه الأفلام، والأنماط الوثائقية التي تنتمي إليها. ومن خلال تحليل أنماط السرد التشاركي، والرَصدي، والشعري، والأدائي، يكشف الكتاب ليس فقط ما تقوله هذه الأفلام، بل كيف تقوله. ويمنح هذا المنهج، المستند إلى خبرة الكاتبة كصانعة أفلام، عمقا خاصا يجمع بين المعرفة النظرية والتجربة الميدانية.
ويمتد الكتاب عبر عدة تخصصات، منها العلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والتاريخ، والإعلام. ولا يقتصر على كونه مرجعا أكاديميا، بل يبرز أيضا كعمل مؤثر بأسلوبه الواضح والقوي، يصل مباشرة إلى كل قارئ يسعى لفهم السينما الوثائقية، والتاريخ الحديث لسوريا، والأبعاد الاجتماعية والإنسانية للحرب.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











