حسناء جوخدار - ترك برس

يشهد قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تركيا تطورا متسارعا جعله أحد أبرز القطاعات الحيوية في الاقتصاد التركي خلال السنوات الأخيرة. فمع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي واعتماد التكنولوجيا بوصفها محركا رئيسيا للنمو والتنمية، عملت أنقرة على تعزيز بنيتها التكنولوجية وتوسيع استثماراتها في مجالات البرمجيات والاتصالات والبحث والتطوير، بهدف ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار.

ويستند هذا التوجه إلى مجموعة من العوامل، أبرزها الموقع الجغرافي الإستراتيجي لتركيا، وتوفر قوة عمل شابة ومؤهلة، إضافة إلى الدعم الحكومي المتواصل للاستثمارات التقنية ومشاريع البحث والتطوير. 

وقد ساهم ذلك في نمو سريع لسوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وزيادة عدد الشركات العاملة في القطاع، وارتفاع حجم الصادرات التقنية التركية نحو الأسواق العالمية، خاصة الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

سوق متنامية وقيمة اقتصادية متصاعدة

بلغت القيمة الإجمالية لسوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركي نحو 36.7 مليار دولار أمريكي في عام 2024، في مؤشر واضح على التحول المتزايد للاقتصاد التركي نحو القطاعات الرقمية والتكنولوجية.  بحسب معطيات مكتب الاستثمار والشؤون المالية في الرئاسة التركية.

ويعد هذا القطاع اليوم من أكثر القطاعات نموا في البلاد، حيث سجل متوسط نمو بلغ 59% بالليرة التركية خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب نمو بنسبة 8% بالدولار الأمريكي، رغم التقلبات الاقتصادية العالمية.

ويعكس هذا الأداء قدرة السوق التركية على التوسع واستيعاب الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية، سواء في مجالات الاتصالات أو البرمجيات أو الخدمات السحابية أو حلول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. كما يشير إلى تنامي الاعتماد على التكنولوجيا في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الصناعة، والخدمات المالية، والتجارة، والتعليم، والرعاية الصحية.

بنية قوية للشركات والعمالة

يضم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تركيا أكثر من 11,700 شركة نشطة تعمل في مجالات متنوعة تشمل تطوير البرمجيات، والاتصالات، والأجهزة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والأمن السيبراني، والتقنيات المالية.

وقد ساهم هذا التوسع في خلق فرص عمل واسعة، حيث تجاوز عدد العاملين في القطاع 246 ألف موظف، يشكل الشباب دون سن الخامسة والثلاثين نحو 70% منهم، ما يعكس الطبيعة الديناميكية والحديثة للقطاع واعتماده على الكفاءات الشابة.

كما أن نحو 60% من العاملين في القطاع ينشطون في مجالات البحث والتطوير، وهو ما يبرز تركيز تركيا على الابتكار والتطوير التقني باعتبارهما عنصرين أساسيين لتعزيز التنافسية الاقتصادية. وتوفر هذه البيئة قاعدة بشرية مهمة قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا.

التعليم والتأهيل.. ركيزة أساسية للنمو

تعتمد تركيا بشكل كبير على تطوير رأس المال البشري في مجالات التكنولوجيا والهندسة، حيث تسجل الجامعات التركية سنويا أعدادا متزايدة من الخريجين في تخصصات الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وفي عام 2024 وحده، تجاوز عدد الخريجين في هذه التخصصات 88 ألف خريج، ما يعزز من توفر الكفاءات المؤهلة لتلبية احتياجات السوق المحلية والدولية. كما تسهم هذه الأعداد المتزايدة من المتخصصين في دعم الشركات الناشئة ومراكز البحث والتطوير، وتوفير بيئة مناسبة للابتكار وريادة الأعمال.

ويضاف إلى ذلك أن تكاليف العمالة في تركيا لا تزال أقل نسبيا مقارنة بعدد من الأسواق الأوروبية، ما يمنحها ميزة تنافسية مهمة في جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع التكنولوجيا.

البحث والتطوير في صميم الإستراتيجية التركية

تولي الحكومة التركية أهمية كبيرة لأنشطة البحث والتطوير باعتبارها المحرك الرئيسي للتحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، تضم تركيا أكثر من 1,350 مركزا للبحث والتطوير يعمل فيها أكثر من 89 ألف موظف متخصص.

وقد ساعدت هذه المراكز في دعم الابتكار المحلي وتطوير المنتجات والخدمات التقنية، إضافة إلى تعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية. كما أصبحت مراكز البحث والتطوير إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها تركيا لتطوير تقنيات محلية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.

صادرات متزايدة وحضور دولي

أصبح قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركي أحد القطاعات التصديرية المهمة، حيث بلغت صادراته نحو 3.3 مليارات دولار أمريكي، متجهة بشكل رئيسي إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية.

ويستحوذ الاتحاد الأوروبي على الحصة الأكبر من هذه الصادرات، خاصة في مجالات البرمجيات والأجهزة والمعدات والخدمات التقنية. ويعكس ذلك قدرة الشركات التركية على المنافسة في الأسواق الدولية وتقديم حلول تقنية تتوافق مع المعايير العالمية.

كما تسعى تركيا إلى توسيع نطاق صادراتها الرقمية والاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على الخدمات التقنية والبرمجية، خاصة مع تسارع التحول الرقمي في مختلف دول العالم.

دعم حكومي وحوافز استثمارية

تعتبر الحكومة التركية قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من القطاعات ذات الأولوية الإستراتيجية، ولذلك أطلقت سلسلة من المبادرات الهادفة إلى تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية فيه.

ومن أبرز هذه المبادرات قانون البحث والتطوير الذي تم تطبيقه لأول مرة عام 2008، قبل أن يتم تحديثه في عام 2016. ويوفر هذا القانون حزمة واسعة من الحوافز للشركات العاملة في مجالات التكنولوجيا والابتكار، تشمل الإعفاءات الضريبية، والإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، ودعم أقساط الضمان الاجتماعي، إضافة إلى تسهيلات متنوعة لأنشطة البحث والتطوير.

وقد ساهمت هذه السياسات في جذب استثمارات دولية تجاوزت قيمتها 21 مليار دولار منذ بداية القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي عزز نمو القطاع ورفع قدرته على المنافسة إقليميا ودوليا.

التحول الرقمي ومستقبل القطاع

تسعى تركيا إلى الاستفادة من الثورة الرقمية العالمية عبر تسريع مشاريع التحول الرقمي في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتوسيع البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وتطوير شبكات الجيل الخامس، ودعم تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني.

كما تراهن أنقرة على قطاع التكنولوجيا ليكون أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واتجاه الدول نحو الاقتصاد الرقمي.

ويبدو أن تركيا، من خلال استثماراتها المتزايدة وقاعدتها البشرية الشابة وسياساتها الداعمة للابتكار، تسعى إلى ترسيخ مكانتها ليس فقط كسوق استهلاكية للتكنولوجيا، بل أيضا كمركز إقليمي للإنتاج والتطوير والتصدير التقني.

يمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أحد أبرز القطاعات الواعدة في الاقتصاد التركي، لما يتمتع به من معدلات نمو مرتفعة، وقاعدة بشرية شابة، ودعم حكومي متواصل، وقدرة متزايدة على التوسع في الأسواق الدولية.

ومع استمرار تركيا في تطوير بنيتها الرقمية وتعزيز قدراتها في البحث والتطوير، يتوقع أن يلعب القطاع دورا محوريا في دعم التحول الاقتصادي للبلاد وتعزيز تنافسيتها الإقليمية والعالمية، بما ينسجم مع طموحات أنقرة للتحول إلى قوة تكنولوجية مؤثرة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!