محمد عاكف صويصال / 15/05/2026 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

في عام 1985، كان كل من ينظر إلى الأفق الاقتصادي للعالم يطرح السؤال نفسه:

هل ستتجاوز اليابان أمريكا؟

عندما ننظر إلى الوراء اليوم، قد يبدو هذا السؤال مبالغا فيه. لكن لفهم نفسية تلك المرحلة، يكفي النظر إلى الأرقام.

تويوتا، سوني، هيتاشي، توشيبا… كانت الصناعة اليابانية تجتاح العالم حرفيا. ففي الوقت الذي كان فيه قطاع السيارات الأمريكي يعاني من ضعف الكفاءة، أصبحت تويوتا رمزا للانضباط الإنتاجي. وبينما كانت شركات الإلكترونيات الأمريكية العملاقة تتعثر، كانت العلامات التجارية اليابانية تعيد تعريف معايير الجودة العالمية.

في عام 1985، كانت أمريكا لا تزال عملاقة. فقد كانت شركات مثل «IBM» و«إكسون» و«جنرال إلكتريك» أعلى قيمة من منافساتها اليابانية. وكانت القيمة السوقية الإجمالية لأكبر ثلاث شركات أمريكية تقارب ضعف القيمة السوقية لأكبر ثلاث شركات يابانية.

لكن القضية لم تكن أرقام ذلك اليوم فقط؛ بل كان المسار العام مخيفا. لأنه بعد أربع سنوات فقط، أي بحلول عام 1989، تغيرت النفسية بالكامل. ففي قائمة أكثر شركات العالم قيمة، بدأت المؤسسات المالية اليابانية تظهر بدلا من عمالقة الصناعة الأمريكيين. بنك اليابان الصناعي، بنك سوميتومو، بنك فوجي، داي-إيتشي كانغيو…

في عالم ذلك اليوم، لم يعد السؤال: «هل اليابان قوية؟»، بل أصبح: «هل اليابان تتجاوز أمريكا؟». واليوم، لفهم حجم المسألة، تكفي مقارنة واحدة فقط. فالقيمة السوقية لشركة «إنفيديا» وحدها تبلغ نحو 5 تريليونات دولار.

وعندما تجمع قيم تويوتا، وميتسوبيشي يو إف جي، وسوفت بنك، وطوكيو إلكترون، وسوميتومو ميتسوي، وفاست ريتيلينغ، وسوني، وهيتاشي، وميتسوبيشي كورب، وسائر عمالقة الشركات اليابانية، فإن القيمة الإجمالية الناتجة تبقى عند حدود 1.8 تريليون دولار تقريبا.

أي إن «إنفيديا» وحدها أكثر قيمة بنحو ثلاثة أضعاف من أكبر عشر شركات يابانية مدرجة في البورصة مجتمعة. فماذا حدث آنذاك؟

تدخل بلازا

في عام 1985، تم توقيع اتفاقية بلازا. وكانت الشكوى الأساسية لأمريكا واضحة: اليابان تنمو عبر التصدير، بينما تعاني أمريكا من عجز تجاري ضخم. ولهذا كان الهدف هو إضعاف الدولار ورفع قيمة الين. وقد وافقت اليابان على ذلك. لكن النقطة الجوهرية هنا هي أن الأمر لم يكن مجرد تفاهم اقتصادي تقني، بل كان نتيجة لعلاقات القوة في تلك المرحلة. فاليابان هذه كانت قد أعيد بناؤها داخل المنظومة الأمنية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت قدراتها العسكرية خاضعة لقيود دستورية. كما كان هامش حركتها الجيوسياسية محدودا. وكانت المظلة الأمنية تعتمد إلى حد كبير على واشنطن. ولذلك، عندما مارست أمريكا الضغط الاقتصادي، لم تكن طوكيو تمتلك قدرة على قول «لا» يمكن مقارنتها بما تملكه القوى الكبرى اليوم.

ثم جاءت صدمة العملة. ارتفعت قيمة الين بسرعة. وتعرضت القدرة التنافسية للصادرات لضغوط شديدة. وحاولت اليابان تعويض هذه الصدمة عبر خفض الفائدة والتوسع الائتماني. فتشكلت واحدة من أكبر فقاعات الأصول في التاريخ. تضخمت أسعار الأسهم. وخرجت أسعار العقارات عن السيطرة. وأصبح النظام المصرفي معتمدا بشكل مفرط على الرافعة المالية. ثم بدأ الركود الطويل.

أمريكا لم تنفذ عملية خاصة لـ«إسقاط» اليابان. لكن النظام المالي المصمم وفقا للمصالح الأمريكية، عندما اجتمع مع نقاط الضعف البنيوية داخل اليابان، أنتج نتائج أوقفت الصعود الاقتصادي الياباني. لقد أبطأت أمريكا منافسها ليس بالدبابات، بل بالهندسة المالية.

لماذا لا تنجح اللعبة نفسها اليوم؟

اليوم، يعتقد كثيرون أن السيناريو نفسه يمكن تطبيقه على الصين. لكن هنا يتوقف التاريخ. لأن الصين ليست اليابان.

فاليابان كانت قوة اقتصادية نمت داخل النظام الأمني الأمريكي بعد الحرب. أما الصين فهي قطب منافس خارج النظام.

قوة نووية.

جيش ضخم.

بنية تحتية مستقلة للصناعات الدفاعية.

شركات تكنولوجيا خاصة بها.

قدرات مالية خاصة بها.

مجال نفوذ إقليمي خاص بها.

والأهم من ذلك: أنها ليست معتمدة أمنيا على أمريكا.

في عام 1985، عندما مارست واشنطن الضغط الاقتصادي على طوكيو، لم يكن وراء ذلك القوة المالية فقط، بل أيضا التسلسل الهرمي الاستراتيجي. أما اليوم، فإن مخاطبة بكين بالنبرة نفسها بات أصعب بكثير. لأن الجالس على الطرف الآخر من الطاولة ليس حليفا، بل منافسا نظاميا.

«ارفع قيمة عملتك».

«قلص ميزتك التصديرية».

«أعد موازنة نموذجك الاقتصادي».

قد تبدو هذه الجمل متشابهة في السمع. لكن الجملة نفسها تنتج نتائج مختلفة عندما تختلف الجهة المخاطَبة.

بالنسبة لليابان: ضغط.

وبالنسبة للصين: تفاوض.

لماذا يعد وفد ترامب مهما؟

إن الصورة التي تعكس هذا التغير بأفضل شكل هي اتصالات ترامب الخارجية الأخيرة.

في الماضي، كانت أمريكا تتحدث بقوة الدولة. أما اليوم، فهي تتحدث أيضا بقوة الشركات.

وعندما تنظر إلى تركيبة الوفد المرافق لترامب في زيارته الأخيرة، ترى أن قطاعات التكنولوجيا والدفاع والأعمال برزت بشكل واضح إلى جانب الثقل الدبلوماسي التقليدي.

وهذا ليس صدفة.

لأن واشنطن لم تعد قادرة على تحقيق النتائج من خلال نموذج الضغط بين الدول فقط. بل أصبحت تستخدم شركاتها كأوراق استراتيجية.

مصنعو الرقائق الإلكترونية.

شركات الدفاع.

عمالقة الطاقة.

الرؤساء التنفيذيون لشركات التكنولوجيا.

في دبلوماسية اليوم، لم تعد هذه الجهات مجرد فاعلين اقتصاديين؛ بل أصبحت أدوات جيوسياسية.

وبمعنى ما، فإن أمريكا لم تعد تتفاوض فقط بقوة الدولة، بل أيضا عبر الشبكة العالمية لرأسمالها المؤسسي.

وهذا ليس «قوة ناعمة».

بل هو اندماج بين قوة الدولة وقوة الشركات.

التوازن الذي تغير فعلا

كانت أمريكا عام 1985 تقول:

«أنا من يضع القواعد».

أما أمريكا اليوم فتتحدث بطريقة مختلفة:

«دعونا نعيد التفاوض حول القواعد».

وهذا ليس مجرد اختلاف بسيط في النبرة. بل هو إشارة إلى التغير في بنية القوة العالمية.

في الماضي، كانت هناك أمريكا القادرة على فرض «ضبط اقتصادي» على اليابان. أما اليوم، فهناك أمريكا تحاول الضغط على الصين، لكنها مضطرة في الوقت نفسه إلى التفاوض معها.

وهذا لا يعني انهيار أمريكا. لكنه يدل على تآكل قدرتها على فرض الهيمنة الأحادية.

ولهذا تحديدا، فإن دبلوماسية ترامب القائمة على اصطحاب الرؤساء التنفيذيين للشركات تحمل دلالة رمزية كبيرة. لأن واشنطن لم تعد تستمد قوتها من البيت الأبيض فقط، بل من شركاتها أيضا.

لقد كانت أمريكا في حقبة «بلازا» قادرة على إعادة منافسها إلى الصف. أما أمريكا اليوم، فهي تحاول فقط إبطاء منافسها.

لأن من يقف أمامها هذه المرة ليس اليابان، بل الصين.

والتاريخ أحيانا يعيد عرض اللعبة نفسها على المسرح.

لكن عندما يتغير اللاعبون، تتغير النتيجة أيضا.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس