ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، كأس العالم من منظور سوسيولوجي، باعتبارها ظاهرة عالمية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية لتصبح حدثاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً بالغ التأثير.

يستعرض الكاتب في مقاله بصحيفة الشرق القطرية، دور البطولة في تعزيز مكانة الدول المستضيفة، وتحفيز الاقتصاد، وتفعيل الدبلوماسية العامة، إلى جانب قدرتها على ترسيخ الهوية الوطنية وإثارة مشاعر الانتماء الجماعي.

كما يناقش تأثير العولمة والرأسمالية في البطولة، وقضايا العنصرية والاندماج الثقافي، محذراً في الوقت نفسه من المبالغة في تحميل كرة القدم أبعاداً تتجاوز طبيعتها بوصفها رياضة ووسيلة للترفيه. وفيما يلي نص المقال:

تُعدّ كأس العالم ظاهرة سوسيولوجية تتجاوز حدود الرياضة، إذ تجمع كل أربع سنوات ملايين البشر حول مشاعر جماعية وطقوس رمزية وأنماط استهلاك وسياحة وتفاعل ثقافي. ورغم أنها تبدو بطولة كروية، فإن تنظيمها عملية معقدة تتطلب قدرات عالية في الإدارة والأمن والبنية التحتية. وفي هذا السياق، قدّمت قطر في مونديال 2022 نموذجاً ناجحاً، حين نظّمت البطولة بمفردها وأبرزت قيم الأمن والتسامح والضيافة، وعكست الهوية العربية الإسلامية بصورة مشرّفة، مما رفع سقف التوقعات أمام النسخ اللاحقة.

وتعتبر البطولة مصدراً للهيبة بالنسبة إلى الدول المستضيفة، لأنها تتيح لها فرصة التعريف بثقافتها وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية أمام العالم. كما تستطيع الدول المضيفة، بفضل عوائد البطولة، تطوير بنيتها الرياضية والعامة. ومن جهة أخرى، يمكن النظر إلى كأس العالم بوصفها جزءاً من العولمة والرأسمالية، إذ تتحول إلى منصة تمارس فيها الشركات العابرة للحدود، والإمبراطوريات الإعلامية، والهيئات المنظمة، قوة هائلة. وتتحول شاشات التلفزيون وملاعب كرة القدم إلى مساحات إعلانية لهم.

تُتيح مباريات كأس العالم فرصة مهمة للدبلوماسية العامة والثقافية، كما تمنح قادة العالم مجالاً للقاء في أجواء أكثر إنسانية بعيداً عن البرامج الرسمية، بما يعزز الحوار بينهم. ففي كأس العالم 2022 في قطر، جمع سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بين رئيسَي تركيا ومصر للمرة الأولى، وبعد ذلك شهدت العلاقات التركية المصرية تقدماً ملحوظاً. كما يُعرف أن مسار كأس العالم أُخذ في الاعتبار عند توقيع مذكرة تفاهم لإيقاف الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وبهذا المعنى، يمكن القول إن كأس العالم دفعتهم تجاه السلام بدلاً من الحرب.

تُعدّ بطولة كأس العالم نشاطًا اقتصاديًا ضخمًا. فبحسب تقرير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تُدرّ البطولة 40 مليار دولار من النشاط الاقتصادي للدول المضيفة، بينما يُتوقع أن يصل تأثيرها العالمي إلى 80 مليار دولار. وتُساهم عائدات التذاكر والرحلات الجوية والفنادق والمطاعم والمشاهدة التلفزيونية وعبر الإنترنت والإعلانات والرعاية في هذه الدورة الاقتصادية الهائلة. ورغم أن هذه العائدات مؤقتة وغير منتظمة، إلا أنها تُعزز قطاع كرة القدم من خلال تحسين البنية التحتية وزيادة الاهتمام بالرياضة في دول مثل الولايات المتحدة وكندا.

ومن الناحية الثقافية، بينما يمثل لاعبون بلدانهم في كأس العالم، فإن الجمهور يشاركهم هذا الحماس. هذه المشاعر المشتركة، التي يسميها ابن خلدون "العصبية" ويسميها دوركهايم "الحماس الجماعي"، تثير الجماهير وتزيد الشعور بالوحدة. يتحد المتفرجون الذين يدعمون بلادهم حول القميص الوطني لمدة 90 دقيقة، بغض النظر عن الدين، أو العرق أو الطبقة أو الانقسامات السياسية. وفي البطولة، يُظهر المتفرجون العرب وحدة جادة من خلال دعم فرق الدول العربية الأخرى إلى جانب منتخبهم.

ويفسر هذا العامل أيضًا سبب تفضيل الناس مشاهدة المباريات في ملاعب كرة القدم، مع تحمل المزيد من التكاليف والصعوبات، بدلاً من مشاهدتها في المنزل. إن إعادة تمثيل الفريق النرويجي لطقوس الفايكنج مع الآلاف من الأشخاص في نفس الوقت قبل المباراة يجب أن تُقرأ على أنها تعبير عن الحماس الجماعي والهوية المشتركة. ومن ناحية أخرى، فمن الخطر أن تتحول هذه المشاعر إلى تعصب. وفي حين أن التعصب لكرة القدم يشجع على التضامن داخل بعض البلدان، فإنه من الممكن أن يغذي العداء والعنصرية في الخارج.

بسبب الإرث الاستعماري والعولمة، تتكوّن بعض الفرق الغربية غالباً من لاعبين ينحدرون من أصول عرقية مختلفة. وعندما تفوز هذه الفرق، تروّج الدول لذلك بوصفه دليلاً على الاندماج الثقافي. لكن عندما تخسر، كثيراً ما يصبح اللاعبون هدفاً للعنصرية البنيوية. وقد قال لاعب كرة القدم التركي الشهير مسعود أوزيل: ”عندما تنجح تُمدَح بوصفك ألمانياً، وعندما ترتكب خطأ تُنتقَد بوصفك تركياً “.

ورغم أن الفيفا تتخذ موقفاً صارماً ضد العنصرية والتمييز، فإن منع العنصرية داخل الملعب وفي المدرجات بصورة كاملة يبقى أمراً صعباً. وفي الأصل، يمكن لمباريات كأس العالم أن تكون مناسبة للتقارب والحوار الثقافي. غير أن تحميل كرة القدم معاني تتجاوز الرياضة بكثير قد يخلق ضغطاً إضافياً على اللاعبين والجماهير، مما يضعف أداء الفرق. فمثلاً، رغم أن المنتخب التركي يضم لاعبين ذوي جودة عالية، فإن الضغط الواقع عليهم، ونظرة بعض الشباب إلى كرة القدم بوصفها تمثيلاً وطنياً وشهرة، قد يؤديان إلى تشتيت تركيزهم. ومع ذلك، ينبغي ألا نُضخّم كرة القدم أكثر من حجمها، فهي في النهاية رياضة وترفيه.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس