يحيى بستان - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

بينما كان الرئيس الأمريكي ترامب في أنقرة، بدأت الطائرات الأمريكية مجدداً قصف إيران. وقال ترامب: «انتهى وقف إطلاق النار مع إيران». كانت تصريحات لافتة وتشير إلى نقطة تحول. لكن كان هناك أيضاً تفصيل دقيق في التصريح. فقد قال الرئيس الأمريكي إن المفاوضات ستستمر بصورة غير مباشرة، عبر الوسطاء.

بصراحة، كان أول تعليق لي في ذلك اليوم هو: «هذا أيضاً سينطفئ كما انطفأت سابقاته». لماذا؟ لأننا عشنا أموراً مشابهة من قبل: كان ترامب يقرر، عبر مواقف مفاجئة، تعميق الحرب، ثم بعد فترة قصيرة يقول: «الإيرانيون في الحقيقة رجال طيبون»، ويطرح موقفاً مختلفاً تماماً. وكان من الممكن أن يحدث الأمر نفسه هذه المرة أيضاً.

وفوق ذلك، كانت الأسباب التي دفعت الطرفين إلى طاولة المفاوضات ما تزال قائمة. أولاً: كان قد اتضح أن النظام الإيراني لن يسقط. وإطالة أمد الصراع لم تكن لتغير النتيجة. ثانياً: بدأت تظهر مشكلة في مخزونات أنظمة الدفاع الجوي المستخدمة ضد هجمات إيران بالطائرات المسيّرة والصواريخ. ثالثاً: كانت دول الخليج قد سئمت من الهجمات الإيرانية، وكانت تقول: «لتنتهِ الحرب». رابعاً: كان الوسطاء، ومن بينهم تركيا، يمارسون ضغوطاً على واشنطن. خامساً: كانت إيران قد مارست ضغطاً على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط عبر إغلاق مضيق هرمز. سادساً: كانت شرعية الحرب تتعرض لتشكيك علني ومتزايد داخل الولايات المتحدة وخارجها. وعندما تضع كل هذه العوامل جنباً إلى جنب، بدأت أعتقد أن التوتر لن يطول.

ترامب أخذ الادعاء على محمل الجد

لكن ما سمعته لاحقاً كان يقول إن السبب الرئيسي للصراع مختلف، وإن وضعاً جديداً قد نشأ يتجاوز مجرد استهداف إيران للسفن في مضيق هرمز، ولذلك قد يستمر الصراع. وكان السبب الجديد هو: الادعاء بأن إيران كانت تستعد لاغتيال ترامب. والأكثر من ذلك أن ذلك حدث بينما كان الرئيس الأمريكي موجوداً في تركيا.

وكان أول نقاش حول هذا الموضوع قد اندلع عندما غيّر الرئيس الأمريكي طائرة عودته. فقد جاء ترامب إلى تركيا على متن الطائرة التي كانت قطر قد أهدتها له، لكنه كان سيعود على متن طائرة «إير فورس وان». وبينما كان الأمريكيون يحاولون إزالة علامات الاستفهام بالقول إن «الطائرة الجديدة ستتوقف في بعض العواصم الأوروبية»، لم يتمكن ترامب من ضبط نفسه وقال: «إنهم يريدون إسقاطي، أنا زعيم الولايات المتحدة. لقد رأيت هذا الصباح أنني موجود على كل القوائم».

وفي تصريحاته اللاحقة أعلن أن الجيش سيدمر إيران إذا حدث له أي مكروه. وكانت هذه عبارات تظهر مدى جدية ترامب في التعامل مع هذا الأمر.

أصابع الاتهام تشير إلى الموساد

فما هي خلفية «ادعاء التحضير لعملية اغتيال» هذا؟ وسائل الإعلام الإسرائيلية تحدثت عن أن «جهاز استخبارات غربي حذر المسؤولين الأمريكيين»، لكن سفير إسرائيل لدى واشنطن هاكابي قال: «الاستخبارات الإسرائيلية أبلغت عن وجود مؤامرة محددة للغاية تستهدف ترامب».

وبما أن ترامب كان حينها في أنقرة، فمن الطبيعي أن ينعكس الموضوع أيضاً على المسؤولين الأتراك. وقد طلب الأمريكيون دعماً من أنقرة.

وفي الوقت الذي كنا فيه في قمة الناتو وكانت أنظار العالم كلها متجهة إلى المجمع الرئاسي، علمنا لاحقاً أن حركة مكثفة شهدتها نقاط مختلفة في أنقرة، وأن القضية كانت قيد التحقيق، وأن إجراءات أمنية جادة اتخذت من دون أن يشعر بها أحد.

فهل ظهر شيء ما؟ لا.

وهل توجد أي تفاصيل تؤكد صحة البلاغ؟ لا توجد.

إسرائيل تريد استمرار الحرب

كان عدم صدور نفي من إيران لهذه الادعاءات عنصراً آخر جعل الأمريكيين ينظرون إلى المسألة بجدية. ولكن لماذا لم ينف الإيرانيون هذا الادعاء؟ لأن مراسم تشييع قائدهم الديني خامنئي، والتي استمرت ستة أيام، كانت تجري في تلك الأثناء.

ولم يكن بإمكان إيران، بسبب التوازنات السياسية الداخلية، أن تنفي هذا الادعاء. ولم يكن أحد في طهران يجرؤ على ذلك. ولهذا فإن «الادعاء» يُعد ناجحاً من حيث التوقيت.

ونحن نعلم أن نتنياهو وفريقه يشعرون بذعر شديد من احتمال توصل ترامب إلى اتفاق مع إيران. فهم يريدون استمرار الصراع.

ولهذا، إذا قيل إنهم «استهدفوا نقطة ضعف ترامب، الذي سبق أن نجا من الموت، وكانوا سبباً في استئناف الاشتباكات من جديد»، فلن يعترض أحد على ذلك.

لكن، هل ما زال ترامب يصدق كل ما يقوله رئيس الوزراء الإسرائيلي؟ أنا لا أعتقد ذلك.

حصل ترامب على ورقة ضغط

لم يكن ترامب قادراً على ممارسة الضغط الذي يريده على إيران بسبب إغلاق مضيق هرمز. وكان يخطط لـ«قصف إيران لفترة طويلة والقيام بإنزال على إحدى جزر هرمز» من أجل دفع طهران إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف. وقد عبّر عن ذلك عدة مرات.

لكن تعثر الحرب، وارتفاع أسعار النفط، وضغوط الوسطاء، وأزمة الشرعية التي واجهها في الرأي العام الداخلي، حالت دون تنفيذ هذه الخطة. وهكذا جلست إيران إلى طاولة المفاوضات وهي في موقع قوة.

وانعكس ذلك أيضاً على المفاوضات: فلا يوجد تقدم بسبب إصرار إيران على موقفها بشأن هرمز. ويحتاج ترامب، بطريقة أو بأخرى، إلى إعادة طهران إلى الطاولة وهي تحمل أوراقاً أضعف.

ويبدو أن «ادعاء الاغتيال» هذا قد أتاح له الآن فرصة في هذا الاتجاه.

كما أن التصريحات المتضاربة الصادرة من إيران تسهّل مهمته. فهو يستطيع أن يرد على نصائح الوسطاء قائلاً: «لقد جلست إلى طاولة المفاوضات، لكنهم أرادوا قتلي».

كما يمكنه تجاهل الأصوات المناهضة للحرب في الداخل بحجة «التهديد بالاغتيال».

وبصفته «الرئيس المستهدف من قبل إيران» يستطيع أن يستعيد جزءاً من شعبيته المتراجعة.

إذاً، فلنطرح السؤال هذه المرة بهذه الصيغة:

هل جاء ذلك البلاغ فعلاً من الموساد؟

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس