
ترك برس
على ضفاف نهر سيحان الذي يشق مدينة أضنة في جنوب تركيا، يقف جسر طاش كوبرُو (Taş Köprü) شاهدًا على تعاقب الحضارات والإمبراطوريات التي مرت بالمنطقة على مدى ما يقرب من ألفي عام.
ويُعد الجسر أحد أبرز المعالم التاريخية في تركيا، ليس فقط لقيمته المعمارية، بل أيضًا لاستمراره في أداء وظيفته حتى اليوم، الأمر الذي جعله يُصنف بين أقدم الجسور الحجرية في العالم التي لا تزال مستخدمة.
وعبر قرون طويلة، لم يكن الجسر مجرد منشأة لعبور نهر سيحان، بل مثل حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا، ومحورًا استراتيجيًا على طرق التجارة والجيوش والحجاج، وأسهم في ازدهار مدينة أضنة التي شكلت نقطة عبور مهمة بين الأناضول وبلاد الشام وبلاد الرافدين.
إرث روماني يعود إلى القرن الرابع الميلادي
يقع جسر طاش كوبرُو فوق نهر سيحان في قلب مدينة أضنة، وتختلف الروايات التاريخية حول تاريخ إنشائه الدقيق.
فبعض المصادر تنسب بناءه إلى عهد الإمبراطور الروماني هادريان (117-138م)، بينما يرى باحثون آخرون أن بداياته تعود إلى عصر بومبيوس أو الإمبراطور أغسطس.
إلا أن معظم الدراسات التاريخية تشير إلى أن الجسر شُيد بصورته الأساسية خلال القرن الرابع الميلادي، عندما ازدادت أهمية شبكات النقل والمواصلات في الإمبراطورية الرومانية مع اتساع رقعتها الجغرافية.
واعتمد البناؤون الرومان في تشييده على تقنيات هندسية متقدمة بالنسبة لذلك العصر، وهو ما يفسر صموده في وجه الفيضانات والزلازل وعوامل الزمن لأكثر من ستة عشر قرنًا.
معبر بين أوروبا وآسيا
اكتسب الجسر أهمية استثنائية بفضل موقعه على أحد أهم طرق المواصلات التاريخية، إذ كان جزءًا من الطريق الذي يربط الأناضول ببلاد الشام ثم ببلاد الرافدين، ومنه إلى مناطق أوسع في آسيا.
ولقرون طويلة، عبرت فوقه القوافل التجارية والجيوش والرحالة، ما جعله أحد أبرز الجسور الاستراتيجية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وخلال العصر العباسي، أمر الخليفة هارون الرشيد بإجراء إضافات معمارية للجسر وربطه بقلعة أضنة لتعزيز دفاعات المدينة، قبل أن يخضع لأعمال ترميم في عهد ابنه الخليفة العباسي السابع المأمون في مطلع القرن التاسع الميلادي.
ترميمات حافظت على أصالته
واصل جسر طاش كوبرُو أداء دوره الحيوي خلال العصور اللاحقة، فحظي باهتمام الحكام الذين تعاقبوا على المنطقة.
وتشير النقوش التاريخية الموجودة على الجسر إلى أعمال ترميم أجريت في فترات مختلفة، من بينها إصلاحات خلال عهد السلطان العثماني أحمد الثالث، وأخرى بإشراف كل حسن باشا، ثم أعمال صيانة في عهد والي أضنة ضياء باشا.
أما آخر عملية ترميم رئيسية فقد نُفذت عام 1949، وأسهمت في الحفاظ على متانة الجسر مع صون طابعه التاريخي.
وفي العقود الأخيرة، خضع الجسر أيضًا لأعمال صيانة ودراسات أثرية ضمن برامج حماية التراث الثقافي في تركيا، مع تخصيصه لعبور المشاة والدراجات، بما يضمن الحفاظ على بنيته التاريخية.
تحفة من الهندسة الرومانية
يجسد جسر طاش كوبرُو الخصائص الكلاسيكية للهندسة الرومانية في بناء الجسور الحجرية، إذ يمتد في اتجاه الشرق والغرب بطول يقارب 300 متر.
ويتألف الجسر حاليًا من 14 قوسًا رئيسيًا، إضافة إلى خمسة أقواس لتصريف مياه الفيضانات، بينما يبلغ ارتفاعه نحو 12 مترًا فوق مستوى النهر، ويرتفع منتصفه بنحو مترين ونصف المتر عن طرفيه، وهو تصميم هندسي يساعد على توزيع الأحمال وتصريف المياه بكفاءة.
كما يتراوح عرضه بين 9.5 و9.7 أمتار، وهو ما أتاح استخدامه لقرون طويلة في حركة القوافل والعربات، قبل أن يصبح اليوم مخصصًا للمشاة.
ويعد استخدام الحجارة الضخمة والأقواس نصف الدائرية من أبرز السمات التي أكسبت الجسر قوته وقدرته على مقاومة الزمن.
أحد أقدم الجسور العاملة في العالم
يُعرف جسر طاش كوبرُو بأنه أحد أقدم الجسور الحجرية في العالم التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم، وهي مكانة منحته شهرة عالمية بين الباحثين في تاريخ العمارة والهندسة المدنية.
ويعد استمرار استخدامه بعد مرور قرابة ألفي عام دليلًا على جودة التصميم الروماني ودقة التنفيذ، كما يجعله نموذجًا حيًا للتقنيات الإنشائية التي سبقت عصرها.
رمز لمدينة أضنة
لا يقتصر حضور الجسر على قيمته التاريخية، بل أصبح أحد أبرز رموز مدينة أضنة وأكثر معالمها شهرة، إذ يتوسط المدينة ويربط ضفتي نهر سيحان في مشهد يجمع بين التاريخ والطبيعة.
وتحيط به حدائق ومتنزهات ومقاهٍ مطلة على النهر، ويستقطب الزوار الراغبين في الاستمتاع بالمشي فوق أحد أقدم الجسور في العالم، خاصة خلال ساعات الغروب عندما تنعكس أضواء المدينة على مياه سيحان.
كما يشكل محطة رئيسية ضمن المسارات السياحية التي تشمل المعالم التاريخية في أضنة، مثل المسجد الكبير (أولو جامع)، وبرج الساعة التاريخي، والمتحف الأثري، ما يعزز مكانته كأحد أهم المقاصد الثقافية في جنوب تركيا.
شاهد على حضارات متعاقبة
ظل جسر طاش كوبرُو على مدى قرون شاهدًا على تعاقب الحضارات الرومانية والبيزنطية والإسلامية والسلجوقية والعثمانية، محتفظًا بدوره بوصفه معبرًا يربط بين ضفتي النهر وبين صفحات التاريخ.
وبفضل قيمته المعمارية والتاريخية، واستمراره في أداء وظيفته حتى العصر الحديث، يبقى الجسر أحد أبرز الشواهد على براعة الهندسة الرومانية، وأحد أهم المعالم التراثية في تركيا، ورمزًا حيًا يجسد استمرارية الحضارة عبر الزمن.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











