ترك برس

على الضفة الأوروبية لمضيق الدردنيل، حيث دارت واحدة من أكثر معارك القرن العشرين ضراوة، ينتصب نصب شهداء جناق قلعة (Çanakkale Şehitler Abidesi) شامخًا فوق رأس إسكي حصارليك في شبه جزيرة غاليبولي، ليجسد ذكرى عشرات الآلاف من الجنود الذين سقطوا دفاعًا عن أرضهم خلال معارك جناق قلعة في الحرب العالمية الأولى. 

ولا يعد هذا الصرح مجرد معلم معماري، بل يمثل رمزًا وطنيًا راسخًا في الذاكرة التركية، ومقصدًا سنويًا لمئات الآلاف من الزوار الذين يأتون لاستحضار إحدى أكثر صفحات التاريخ تأثيرًا في تشكيل الهوية الوطنية لتركيا الحديثة.

ويقع النصب داخل الحديقة التاريخية لشبه جزيرة غاليبولي التابعة لموقع جاليبولي التاريخي، الذي يضم عشرات المقابر والنصب التذكارية التركية والأجنبية، ويعد من أبرز مواقع الذاكرة التاريخية في العالم، حيث شهد معارك بحرية وبرية استمرت من فبراير/شباط 1915 حتى يناير/كانون الثاني 1916، وانتهت بانسحاب قوات الحلفاء بعد فشلها في السيطرة على مضيق الدردنيل والوصول إلى إسطنبول.

ملحمة غيرت مجرى الحرب

تحتل معارك جناق قلعة مكانة استثنائية في التاريخين التركي والعالمي، إذ حاولت قوات الحلفاء، بقيادة بريطانيا وفرنسا وبمشاركة قوات من أستراليا ونيوزيلندا والهند ومستعمرات أخرى، اختراق مضيق الدردنيل لإسقاط العاصمة العثمانية وفتح طريق بحري إلى روسيا.

إلا أن المقاومة العثمانية، التي خاضها جنود قدموا من مختلف أنحاء الدولة، أفشلت تلك الحملة بعد أشهر من القتال العنيف، لتتحول جناق قلعة إلى رمز للصمود والتضحية، وإحدى أبرز المحطات التي برز خلالها اسم القائد مصطفى كمال، الذي أصبح لاحقًا مؤسس الجمهورية التركية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المعارك أسفرت عن سقوط مئات الآلاف من القتلى والجرحى من جميع الأطراف، فيما تجاوز عدد الشهداء العثمانيين عشرات الآلاف، وهو ما منح الموقع مكانته الرمزية في الوجدان التركي.

صرح يخلد جميع الشهداء

شُيد نصب شهداء جناق قلعة فوق رأس إسكي حصارليك، أحد أكثر المواقع زيارة في شبه جزيرة غاليبولي.

وجاء إنشاؤه بعد مسابقة معمارية أُعلن عنها لاختيار أفضل تصميم، حيث وقع الاختيار من بين 37 مشروعًا على التصميم الذي أعده المهندسون دوغان إرجينباش وإسماعيل أوتكولار وفريدون كيب.

ووُضع حجر الأساس في 17 أبريل/نيسان 1954، قبل أن يُفتتح رسميًا في 21 أغسطس/آب 1960، بالتزامن مع الذكرى الخامسة والأربعين لانتصار معركة أنافارتالار الثانية.

ومنذ افتتاحه، أصبح النصب التذكاري رمزًا لجميع الجنود العثمانيين الذين استشهدوا في معارك جناق قلعة، وحافظ على مكانته بوصفه الموقع الرئيس لإحياء ذكراهم.

تصميم يحمل رسالة خالدة

يبلغ ارتفاع النصب 41.7 مترًا، ويتألف من أربعة أعمدة ضخمة تحمل سقفًا مربعًا، في تصميم أصبح أحد أشهر الرموز البصرية في تركيا.

وأوضح المهندس المعماري دوغان إرجينباش أن فكرة التصميم ترمز إلى ارتقاء أرواح الشهداء القادمين من مختلف بقاع الدولة العثمانية نحو السماء في وحدة واحدة، وهو ما منح النصب بعدًا رمزيًا يتجاوز قيمته المعمارية.

وتزين قواعد الأعمدة نقوش بارزة (رولييف) تجسد مشاهد من معارك جناق قلعة، بما يعكس شجاعة الجنود وقسوة المعارك التي شهدتها المنطقة.

مراسم وطنية في الثامن عشر من مارس

يستضيف النصب سنويًا الاحتفال الرسمي بـيوم شهداء جناق قلعة في 18 مارس/آذار، وهو اليوم الذي يحيي ذكرى الانتصار البحري في معارك الدردنيل عام 1915.

ويشارك في المراسم رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين وقادة القوات المسلحة والمحاربون القدامى وعائلات الشهداء، إلى جانب آلاف المواطنين والوفود الأجنبية، حيث تُوضع أكاليل الزهور وتُتلى الأدعية وتُقام مراسم عسكرية ورسمية تخليدًا لذكرى الشهداء.

كما يشهد الموقع فعاليات دولية في 25 أبريل/نيسان بمشاركة وفود من أستراليا ونيوزيلندا ودول أخرى لإحياء ذكرى إنزال قوات "أنزاك"، في مشهد يعكس تحول ساحة المعركة إلى مساحة مشتركة للذاكرة والمصالحة.

مقبرة رمزية تحفظ أسماء الشهداء

في عام 2007 افتُتحت المنطقة الخلفية للنصب أمام الزوار، حيث تضم مقبرة رمزية خُصصت لتخليد ذكرى شهداء جناق قلعة.

وتحمل جدران الموقع أسماء 59 ألفًا و408 شهداء أمكن التوصل إلى هوياتهم حتى الآن من بين الذين قضوا خلال المعارك، في حين لا يزال كثير من الشهداء مجهولي الهوية بسبب ظروف الحرب.

وأمام المقبرة يمتد نصب بارز بطول 45 مترًا يصور مشاهد من ساحات القتال، بما يمنح الزائر تصورًا بصريًا عن طبيعة المعارك التي شهدتها شبه الجزيرة.

قبر الجندي المجهول ورسالة أتاتورك

في بداية المقبرة الرمزية يقع قبر الجندي المجهول، إلى جانب لوحة رخامية نُقشت عليها الكلمات الشهيرة التي وجهها مصطفى كمال أتاتورك عام 1934 إلى أمهات جنود الحلفاء الذين سقطوا في جناق قلعة، والتي قال فيها:

"إن هؤلاء الأبطال الذين أراقوا دماءهم وفقدوا أرواحهم على هذه الأرض، أصبحوا الآن يرقدون في وطن صديق. لذلك ارقدوا بسلام. فليس هناك فرق بين أبناء جوني ومحمد بالنسبة إلينا، بعد أن يرقدوا جنبًا إلى جنب في هذا البلد."

وتُعد هذه الكلمات من أشهر رسائل المصالحة في التاريخ الحديث، وقد أسهمت في ترسيخ مكانة جناق قلعة بوصفها رمزًا للسلام بعد الحرب.

كما يضم الموقع قبرًا يعود إلى جندي تركي مجهول الهوية، أعيدت رفاته إلى تركيا في 10 مارس/آذار 2003 بعد أن احتفظ بها أحد جنود قوات أنزاك منذ معارك أريبورنو، ودُفن في الموقع رسميًا خلال مراسم أقيمت في 18 مارس/آذار 2003.

متحف ومواقع تاريخية متكاملة

لا يقتصر الموقع على النصب التذكاري وحده، بل يشكل جزءًا من منظومة تاريخية واسعة تضم الخنادق الأصلية، والبطاريات الساحلية، والمقابر العسكرية، والمتاحف، ومراكز الزوار التي تعرض وثائق وصورًا وقطعًا أصلية من المعارك.

ويتيح ذلك للزائر التعرف على تفاصيل حملة جاليبولي من مختلف جوانبها العسكرية والإنسانية، ما يجعل المنطقة واحدة من أهم وجهات السياحة التاريخية في تركيا.

رمز للتضحية والذاكرة الوطنية

أصبح نصب شهداء جناق قلعة، على مدى أكثر من ستة عقود، رمزًا خالدًا للتضحية والوحدة الوطنية، ومكانًا يجسد ذكرى الجنود الذين دافعوا عن وطنهم في واحدة من أكثر المعارك تأثيرًا في تاريخ القرن العشرين.

وبفضل قيمته التاريخية والرمزية، وما يحتضنه من أسماء الشهداء والآثار التذكارية، يواصل النصب أداء رسالته بوصفه جسرًا بين الماضي والحاضر، وموقعًا يحفظ ذاكرة أمة، ويذكر الأجيال الجديدة بأن السلام الذي تنعم به الشعوب اليوم جاء ثمرة تضحيات جسيمة دفعها الآلاف على هذه الأرض.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!