ترك برس

في ظل الحروب وصراعات النفوذ التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط، يبرز تقارب سياسي متزايد بين تركيا وباكستان والسعودية وقطر ومصر، بما قد يمهد لقيام إطار إقليمي أكثر تنسيقًا وقدرة على التعامل مع أزمات المنطقة وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية.

وفي هذا الإطار، كتب الدكتور محمد مظهر شاهين لموقع «فوكس بلس» عن توازن القوى الجديد الذي يتشكل في الشرق الأوسط، ومساعي دول العالم الإسلامي إلى بناء تعاون أوسع بقيادة تركيا.

وقال الكاتب: يشهد الشرق الأوسط واحدًا من أكثر التحولات الجيوسياسية حساسية خلال السنوات الأخيرة. فقد جعلت الحروب والصراعات بالوكالة والتنافس بين القوى الكبرى حاجة الدول الإسلامية إلى التحرك المشترك، التي ظل غيابها محسوسًا طوال عقود، أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

وأضاف: في هذا السياق، لا يقتصر التعاون السياسي الذي طورته تركيا مع باكستان والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر على تعزيز العلاقات الثنائية، بل يشير أيضًا إلى بناء أرضية دبلوماسية جديدة قادرة على إنتاج رؤية مشتركة تجاه القضايا الإقليمية.

وفيما يلي تتمة المقال:

وتتمثل إحدى أبرز نتائج هذا التعاون في تعزيز موقف الدول الإسلامية في الملفات الأساسية بالشرق الأوسط.

ففي المنطقة الممتدة من غزة إلى سوريا، ومن البحر الأحمر إلى شرقي البحر المتوسط، أصبح تأثير الإرادة السياسية المشتركة أكثر حضورًا من تأثير التحركات المنفردة لكل دولة.

كما أن تفضيل دول المنطقة التشاور والتنسيق بدلًا من التنافس فيما بينها يمثل مكسبًا مهمًا، ليس على المستوى الدبلوماسي فحسب، بل من الناحية الاستراتيجية أيضًا.

وعند النظر إلى الدبلوماسية النشطة التي انتهجتها تركيا خلال الفترة الأخيرة، وقدرة قطر على الوساطة، والثقل الإقليمي للسعودية، والموقع المركزي لمصر في العالم العربي، والقدرات العسكرية والاستراتيجية التي تمتلكها باكستان، تتشكل صورة تعكس بحث العالم الإسلامي عن توازن جديد.

ويحمل تحرك هذه الدول بصورة مشتركة إمكانات مهمة يمكن أن تقلل من اعتمادها على الأطراف الخارجية في التعامل مع الأزمات الإقليمية.

كما يؤثر هذا المشهد بصورة مباشرة في الحسابات الأمنية لإسرائيل.

فقد كان الانقسام السياسي وغياب التنسيق بين دول المنطقة، على مدى سنوات طويلة، من أبرز عناصر القوة التي استفادت منها إسرائيل.

لكن الاتصالات الدبلوماسية المتزايدة والخطابات المشتركة بين عواصم المنطقة تدفع اليوم إلى مراجعة التصور الذي يتعامل مع التفوق الإسرائيلي باعتباره أمرًا مطلقًا.

ومن شأن الموقف الأكثر صلابة وتنسيقًا في مواجهة سياسات التهديد والضغط الإسرائيلية أن يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.

ولا شك في أن أبرز الآثار النفسية لهذا التقارب تتمثل في أجواء الأمل التي أوجدها داخل العالم الإسلامي.

فالمجتمعات الإسلامية، التي ظهرت طوال سنوات في صورة منقسمة، ترى للمرة الأولى بوادر إرادة قد تسمح لها بالتحرك المشترك في القضايا الإقليمية.

ولهذا يمكن توقع ازدياد الثقة بهذا التعاون خلال المرحلة المقبلة.

وستترسخ هذه الثقة بصورة أكبر في حال تحولت آليات التنسيق الدبلوماسي إلى مؤسسات دائمة، وتعزز التعاون في المجالات الاقتصادية والدفاعية.

وهذا تحديدًا ما يمثل أحد أكبر مصادر القلق بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فاحتمال تحول التنسيق السياسي، بمرور الوقت، إلى شراكة استراتيجية أشمل، أو حتى إلى بنية أكثر مؤسسية في مجالي الأمن والدفاع، يحظى بمتابعة دقيقة في تل أبيب.

ولذلك، لن يكون مستغربًا أن يسعى نتنياهو إلى تنسيق أكثر كثافة مع واشنطن من أجل إضعاف هذا التقارب أو زعزعة الثقة بين الدول المشاركة فيه.

وقد تظهر محاولات لتعميق الخلافات بشأن عدد من القضايا، أو زيادة الضغوط الدبلوماسية، أو استغلال الأزمات الإقليمية لتفكيك الأرضية المشتركة بين هذه الدول.

لكن من غير المرجح أن تحقق مثل هذه المحاولات نتائج دائمة ما دامت دول المنطقة تتبنى سياسة حازمة تضع مصالحها المشتركة في المقدمة.

وفي المرحلة الحالية، تظل القضية الأهم هي تحويل هذه الإرادة السياسية إلى تعاون مؤسسي مستدام.

فالوحدة لا تكتسب قوتها من البيانات المشتركة وحدها، بل من خلال مشروعات ملموسة في مجالات الاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا والطاقة والدبلوماسية.

وكما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: «لقد استيقظ العالم الإسلامي من سبات دام مئة عام».

ولا يمكن النظر إلى هذه العبارة باعتبارها مجرد أمنية، بل بوصفها رمزًا لمرحلة جديدة يراقبها كثيرون باهتمام في ضوء التطورات الدبلوماسية الأخيرة.

وستكشف السنوات المقبلة ما إذا كانت هذه الصحوة ستتحول إلى شراكة استراتيجية دائمة أم ستبقى في إطار التنسيق السياسي المرحلي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!