محمد يالتشين يلماز – ستار - ترجمة وتحرير ترك برس

كنت قد بدأت في الكتابة عن التوتر المتصاعد في المنطقة، فإذا بخبر اتصالات رئيس هيئة الأركان العامة سلجوق بيرقدار أوغلو الهاتفية مع أربعة من نظرائه يتصدر تدفق الأخبار. فالولايات المتحدة وقطر والسعودية وعُمان تقع جميعها مباشرة في قلب التوتر الذي تشهده المنطقة. إلا أن الرأي العام التركي بدأ يحمّل هذه الأخبار معنى «الحرب على الأبواب».

إن قراءة الاتصالات الهاتفية، بمفردها، باعتبارها استعدادًا استثنائيًا للحرب ستكون مضللة. فأنقرة تتابع خلال الأسابيع الأخيرة، في الوقت نفسه، التطورات على محاور سوريا والعراق والخليج وهرمز واليمن. وازدياد حركة الدبلوماسية العسكرية مرتبط بخريطة المخاطر الواسعة هذه.

أما الهجوم الذي شنته إسرائيل على قاعدة الزهور في الساحة السورية، وهي قاعدة تعني تركيا بشكل مباشر، فهو يتجاوز رغبة نتنياهو في الحفاظ على سلطته، ويعكس السياسة السائدة في تل أبيب. وما نقله يلماز بيلغن، الذي يتابع التطورات الميدانية عن كثب، يلخص أهداف إسرائيل. والآن يرى الجميع أن هذا الهجوم لم يكن مجرد رسالة موجهة إلى سوريا.

يقع المطار العسكري الذي هاجمته إسرائيل في سوريا شرقي إدلب. وهو يبعد عن الحدود التركية مسافة تقارب ساعة واحدة. ورسالة هذا الهجوم واضحة جدًا. إنه رد عدواني على الخطوات التي تتخذها تركيا من أجل تعزيز إدارة دمشق. ومع اقتراب الانتخابات في إسرائيل، فإن معاداة تركيا تخلق حالة من التماسك الداخلي، وتجعل دولة الأمن أكثر تشددًا تدريجيًا.

إن الجهود التي تبذلها أنقرة لتحقيق الاستقرار في سوريا تمتد على خط واسع يشمل العراق ولبنان أيضًا. فالأزمات والهجرات ومشكلات أمن الحدود التي شهدتها تسعينيات القرن الماضي تزيد من حساسيات أنقرة. ولهذا تقرأ تركيا الساحة السورية ليس فقط من خلال علاقاتها مع دمشق، بل ضمن حزام أمني أوسع يمتد من العراق إلى لبنان.

إن منظور توسيع اتفاق مكة ستكون له نتائج جغرافية وسياسية على حد سواء. وترتبط رغبة ثلاثي أنقرة والرياض وإسلام آباد في إشراك القاهرة في الاتفاق، إلى جانب التكامل التاريخي، بالموقع الاستراتيجي لمصر وقدرات جيشها. كما أن موقع مصر على محور البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط يشير إلى أن الاتفاق لا يتعلق بالدفاع فحسب، بل يشمل أيضًا أمن الطاقة والتجارة.

لقد أدت التطورات التي تركزت على إيران وإسرائيل في منطقتنا إلى زيادة تأثير الولايات المتحدة في المنطقة. لكن ما شهدته غزة وهرمز والبحر الأحمر في نهاية المطاف جعل قيادة ترامب والمظلة الأمنية الأمريكية موضع تساؤل. ومن الآن فصاعدًا، يتعين على أطراف المنطقة نفسها ضمان الأمن وتحقيق الاستقرار في تدفقات الطاقة والتجارة الدولية.

لا يمكننا تجاهل مبررات المسار الذي أدى إلى اتفاق مكة. فقد واجهنا، تحت التأثير المباشر وغير المباشر للتنافس الأمريكي الصيني، مساعي البحث عن نظام جديد.

كان الممر الهندي السعودي الإماراتي الإسرائيلي اليوناني الذي ظهر أمامنا بعد قمة مجموعة العشرين عام 2023، فرضًا للأمر الواقع. وقد بُذلت جهود لجعل الهند قاعدة للإنتاج، وجعل إسرائيل بوابة لا غنى عنها للمنطقة. في حين كان من المفترض أن تعمل ممرات التجارة والطاقة وفقًا لقواعد السوق. ولم يكن من الممكن لممر ذي بنية أمنية هشة، وشرعية سياسية موضع جدل، وواقع إقليمي ناقص، أن ينتج الاستقرار على المدى الطويل.

لقد أفسدت حرب غزة هذه الحسابات.

إن المشهد الذي ظهر في غزة في فترة كان يُراد فيها جعل إسرائيل مركزًا للاندماج الإقليمي لم ينتج أزمة إنسانية وسياسية فحسب. بل هز أيضًا الأساس الأمني لفكرة الممر المعروف باسم آيميك. وأصبح من الأصعب بكثير أن ينتج خط تجاري تكون إسرائيل في مركزه شرعية مستدامة لدى الرأي العام العربي ودول المنطقة.

ولهذا فإن اتفاق مكة ليس مجرد تفاهم عسكري. فهذا الاتفاق يُظهر أن النظام القديم الذي يترك العبء الأمني في المنطقة على عاتق الولايات المتحدة وحدها لن يستمر. فخط تركيا والسعودية وباكستان يضع على الطاولة، إلى جانب الردع والتضامن الدفاعي، قضايا طرق الطاقة والممرات البحرية والممرات البرية والاستقرار الإقليمي أيضًا.

وهنا تتعقد المسألة بالنسبة إلى أنقرة. لأن أكبر فرصة سيتيحها اتفاق مكة هي إرادة دول المنطقة في بناء منظومتها الأمنية الخاصة. أما أكبر مخاطره فهي أن يُقرأ من جانب إيران باعتباره خط تطويق جديدًا. وفوق ذلك، لن يكون من الصواب استبعاد إيران من هذه المجموعة. فالنجاح الدبلوماسي يمر عبر إشراك طهران أيضًا في العملية وتولي زمام المبادرة الأمنية في المنطقة. وهنا تكمن الخطوة التي ستلجم إسرائيل فعليًا.

ولهذا سيتصدر خطاب أنقرة الحذر. فما تبحث عنه تركيا ليس تشكيل جبهة ضد إيران، بل إنتاج توازن يمنع انتشار الحروب الإقليمية. وهذا هو بالضبط ما تحتاج إليه المنطقة على الخط الممتد من هرمز إلى باب المندب، ومن سوريا إلى العراق، ومن غزة إلى شرق المتوسط.

إن أطراف المنطقة لم تعد ترغب في السير وفق السيناريوهات التي تكتبها القوى الكبرى. وهي تبحث عن إطار جديد يحمي أمنها وطرق تجارتها وتوازناتها السياسية الخاصة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!