
أليف سنا دارباز - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس
لم تعد حرية الصحافة تُختبر فقط بمنع النشر أو إسكات الصحفيين بصورة مباشرة، بل باتت مرتبطة أيضًا بمن يملك القدرة على إيصال الخبر إلى العالم، وتحديد ما يظهر وما يتوارى، ورسم حدود النقاش العام. ومن خلال تأمل مسار الميكروفون في مؤتمر صحفي على هامش قمة للناتو، تناقش الكاتبة الهيمنة الإعلامية الغربية، وسلطة المؤسسات والخوارزميات، والتحول من الرقابة التقليدية إلى رقابة صامتة تتحكم في الانتشار والاهتمام.
وفي الوقت الذي انتقلت فيه النقاشات المتعلقة بحرية الصحافة من الرقابة الحكومية التقليدية إلى احتكار التداول العالمي للأخبار، والتراتبية المؤسسية، وسلطة الظهور، تكشف الهيمنة الإعلامية الغربية المختبئة خلف ستار «الحرية»، من خلال المسار الذي سلكه الميكروفون في قمة الناتو، عن الوجه الصامت للرقابة الحديثة.
لم يكن المعنى الذي حمّله الغرب لحرية الصحافة مقتصرًا في أي وقت على حرية الأقلام في أعمدة الصحف. فقد تبلور هذا التصور بالتوازي مع رؤية عصر التنوير للإنسان. حين كتب جون ميلتون مؤلفه «أريوباجيتيكا»، لم يكن يطالب فقط بتحرير المطابع، بل كان يقول إن الحقيقة لا يمكن أن تولد تحت وصاية الدولة.
وبعد قرن ونصف القرن، سار جون ستيوارت ميل في الاتجاه نفسه. فقد رأى أن إسكات الرأي الخاطئ يُضعف إمكانية الوصول إلى الحقيقة. ومن هنا نشأت القيمة التي أسبغها الفكر السياسي الليبرالي على حرية الصحافة.
وضعت القرون اللاحقة هذا الإرث الفكري أمام اختبار مختلف تمامًا. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، بدأ الغرب يعرّف نفسه من خلال تراكمه المؤسسي بقدر ما يعرّف نفسه من خلال قوته العسكرية. وخلال الحرب الباردة، لم يقم تمايزه عن الاتحاد السوفييتي على الدبابات والصواريخ وحدها، بل على الصحافة الحرة، والقضاء المستقل، والنقاش العام المفتوح.
وعندما سقط جدار برلين، ساد الاعتقاد بأن المنتصر لم يكن اقتصاد السوق وحده، بل هذا الخطاب السياسي أيضًا.
غير أن أحداث 11 سبتمبر وضعت كلمة جديدة في قلب هذا المعجم: الأمن.
فقد أعادت الصلاحيات الحكومية التي توسعت بموجب قانون «باتريوت»، وآليات المراقبة الجماعية، وقدرات التتبع الرقمي، رسم الحدود التي تضعها الدولة الليبرالية لنفسها.
وأثارت الوثائق التي كشفها إدوارد سنودن صدمة واسعة، لأن النقاش لم يكن متعلقًا بحجم البيانات التي تجمعها وكالة الأمن القومي الأمريكية فحسب، بل بالسؤال عن المدى الذي تستطيع فيه الديمقراطيات الليبرالية مراقبة مواطنيها.
وهكذا وُجّهت إلى مؤسسات العالم الليبرالي الانتقادات نفسها التي كانت تُوجَّه ذات يوم إلى الأنظمة السلطوية. كما فتحت قضية جوليان أسانج وجهًا آخر للمراجعة ذاتها.
نظام مجموعة الصحفيين المرافقين للرئيس في البيت الأبيض ليس جديدًا. فمن غير الممكن عمليًا أن يدخل مئات الصحفيين إلى كل مكان يوجد فيه الرئيس. لكن الجدل لا يدور حول ذلك، بل حول هوية الذين يُمنحون حق الحديث باسم الجمهور.
كانت التوترات التي شهدتها الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب مع شبكة «سي إن إن» وصحيفة «نيويورك تايمز»، ثم استبعاد وكالة «أسوشيتد برس» في وقت أقرب من بعض الاجتماعات، أحدث حلقات النقاش الذي تخوضه الصحافة الأمريكية منذ مدة طويلة بشأن حق الوصول إلى المعلومات.
ولا يبدو الوضع في أوروبا مختلفًا تمامًا.
فبينما توصي بروكسل العالم بالحوكمة الشفافة، تعرضت مؤسساتها مرارًا للانتقاد في تقارير أمين المظالم الأوروبي. وظلت المفاوضات الثلاثية المغلقة، وشفافية محاضر المجلس، ووضوح أنشطة جماعات الضغط، وكيفية تداول عمليات اتخاذ القرار، من الموضوعات الأساسية في الكتابات السياسية الأوروبية طوال سنوات.
وتجري المؤسسات الأوروبية باستمرار مراجعة لنفسها وفق المعايير التي وضعتها هي ذاتها. وكان هذا هو الأمر الذي شغل ذهني بينما كنت أجلس في المجمع الرئاسي في أنقرة. وكان من الطبيعي أن تُطرح أسئلة بشأن تركيا.
لكن تلك المراجعة المستمرة منذ زمن طويل داخل الغرب لم تجد لنفسها مكانًا يُذكر، حتى بين سطور الكلمات التي قيلت في القاعة.
لقد ابتعد النقاش حول حرية الصحافة، على ما يبدو، عن مساره القديم. فما هو مطروح اليوم ليس حرية الكلام بقدر ما هو حرية التداول؛ ليس فقط مَن ينتج المعلومة، بل مَن يضعها في دائرة الانتشار؛ وليس فقط ما يقوله الصحفي، بل إلى مَن يستطيع الوصول.
ومع قراءة أليسون هارت كل اسم جديد، بدأت خريطة أخرى غير مرئية تتشكل تدريجيًا. لم تكن خريطة ترتيب المقاعد، بل خريطة التداول العالمي للأخبار.
مُنحت الكلمة أولًا لنيك روبرتسون، كبير محرري الشؤون الدبلوماسية في «سي إن إن إنترناشيونال»، فانتقل جدول أعمال واشنطن إلى القاعة.
بعده تحدث نيلس خوده خيبور، ممثل وكالة الأنباء الهولندية «ANP»، فطُرحت هذه المرة نقاشات حرية الصحافة والتعبير في تركيا.
ثم فتح مراسل صحيفة «لوموند»، نيكولا بورسييه، ملف منظومة «إس-400»، الذي لا يزال من الملفات غير المحسومة في البنية الأمنية الأوروبية.
أما غوكان تشيليكر، الذي تحدث باسم وكالة الأناضول، فسأل عن القدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية التركية وموقع تركيا داخل حلف الناتو.
كنا جميعًا ننظر إلى المنصة نفسها، لكن كل واحد كان يصغي إليها بذاكرة عاصمة مختلفة.
كانت واشنطن تحمل نقاشاتها الخاصة، وتحافظ باريس على أولوياتها، وتسعى أمستردام وراء السؤال الذي يشغل رأيها العام، بينما كانت أنقرة تحاول شرح التحول الذي حققته خلال السنوات الأخيرة في مجال الصناعات الدفاعية.
وفي تلك اللحظة، برزت في ذهني الفكرة التي حددت مسار هذا المقال.
طوال الجزء الأكبر من القرن العشرين، كان الحديث عن حرية الصحافة يعني مناقشة العلاقة بين الدولة والصحفي. أما اليوم، فقد أُضيفت طبقة أخرى إلى هذه العلاقة:
مَن يشكّل حركة التداول العالمي للأخبار؟
وأي المؤسسات تستطيع تحديد جدول الأعمال؟
ومَن يقرر الفارق بين جملة تصل إلى الرأي العام العالمي، وأخرى تضيع داخل دائرة محدودة؟
بمرور الزمن، يتحول النفوذ نفسه إلى مؤسسة. وبعد مدة، تتحول المؤسسات التي تبث الخبر أولًا إلى مؤسسات تعرّف الخبر وتحدد معناه.
هي التي تختار المفاهيم، وهي التي تبني الإطار، فتتشكل حدود النقاش، من دون أن ننتبه، داخل اللغة التي صاغتها تلك المؤسسات.
هذا هو تحديدًا ما لفت والتر ليبمان الانتباه إليه قبل نحو قرن، عندما تحدث عن «الصور الموجودة في أذهاننا».
فالناس لا يختبرون العالم كما هو، بل يفهمونه من خلال الصور والتصورات التي تصل إليهم. أما الآلية التي تنتج تلك الصور اليوم، فقد أصبحت أكثر تعقيدًا بكثير مما كان يمكن تصوره في عشرينيات القرن الماضي.
ساد الاعتقاد بأن المنصات الرقمية ستغير هذه المعادلة. ولفترة ما، بدا أنها تفعل ذلك بالفعل.
وعدت منصات التواصل الاجتماعي بإنشاء فضاء عام جديد يضعف احتكارات الأخبار التقليدية. لكن السنوات التي مضت كشفت عن مشهد مختلف.
فقد بدأت الخوارزميات هذه المرة تحل محل المحررين. وأصبحت شركات التكنولوجيا هي التي تقرر، إلى حد بعيد، أي صورة ستصل إلى ملايين الأشخاص، وأي خبر سيصبح غير مرئي خلال ساعات قليلة.
والنظام الذي وصفته شوشانا زوبوف بـ«رأسمالية المراقبة» لم يكتف بقياس السلوك الإنساني، بل حوّل اقتصاد الانتباه نفسه إلى أداة مستقلة من أدوات السلطة.
لذلك، فإن التعريفات القديمة لحرية الصحافة، التي تضع الدولة وحدها في المركز، لم تعد كافية.
هناك الدولة، ورأس المال، وشركات التكنولوجيا، ووكالات الأنباء الدولية، وأجهزة الدبلوماسية العامة. وكلها تتحرك داخل دائرة التداول نفسها.
ولم يكن المشهد الذي رأيته في قمة الناتو منفصلًا تمامًا عن ذلك.
كان كل صحفي في القاعة يمتلك حق طرح سؤال، لكن تأثير كل سؤال في الرأي العام العالمي لم يكن متساويًا. ففي العالم الحديث، يرتبط الظهور بتوزيع القوة بقدر ارتباطه بالقانون.
لم تعد صحة الخبر وقدرته على الانتشار تعنيان الشيء نفسه. ولم تعد الحقيقة وحدها جزءًا من السياسة، بل أصبح المسار الذي تعبر من خلاله الحقيقة جزءًا منها أيضًا.
ولهذا بات من الصعب تفسير النقاش المعاصر حول حرية الصحافة من خلال التصورات القديمة. فإذا اعتُبرت المسألة مجرد رقابة، فسيبقى جزء مهم من الصورة خارج الإطار.
حين مرّ الميكروفون
بينما كنت أراقب الميكروفون يمر أمامي في قاعة المجمع الرئاسي، كانت هذه الفكرة هي ما يشغل ذهني.
لم تكن المسألة مقتصرة على مَن يُمنح حق الكلام، بل شملت أيضًا المنصة التي ستنقل ذلك الكلام إلى التداول، والوزن المؤسسي الذي سينشره في العالم، والفضاء العام الذي سيجد فيه صداه.
كانت تلك القاعة تبدو كأنها نموذج مصغر للتحول الذي طرأ على السلطة الحديثة.
عززت الدولة الحديثة قوتها، على مدى زمن طويل، من خلال تنظيم الظهور. أصدر الملوك المراسيم لهذا الغرض، وعيّنت الإمبراطوريات مؤرخين رسميين، وأنشأت الدول القومية مؤسسات البث العام.
لقد بنى كل عصر نظامه الخاص لتداول الأخبار، وعصرنا ليس خارج هذه السلسلة. ما تغير هو الأدوات.
فإلى جانب الدولة، ظهرت شركات التكنولوجيا، ووكالات الأنباء العالمية، والمنصات الرقمية، وشبكات الاتصال العابرة للحدود. توزعت القوة، لكن المراكز التي تحدد النفوذ تعددت.
لهذا أصبح من الصعب تفسير حرية الصحافة في القرن الحادي والعشرين بالتعريفات القديمة.
كان النقاش في الماضي يدور حول ما إذا كانت الصحيفة ستُطبع أم لا. أما اليوم، فيدور حول الخبر الذي سيظهر على شاشات ملايين الأشخاص.
كانت الرقابة ذات يوم ختمًا يوضع على باب المطبعة. أما اليوم، فقد أصبح إبقاء الشيء خارج مجال الرؤية وسيلة أشد فاعلية.
يمكن إضعاف تأثير خبر من دون الحاجة إلى حظره. ويمكن أن يضيع صوت الصحفي وسط الحشود من دون إسكاته مباشرة. كما يمكن تضييق نطاق التداول العام من دون صدور حكم قضائي.
وفي كثير من الأحيان، يكفي فقط تقرير الاتجاه الذي سيوجَّه إليه الانتباه.
حين كتب جان بودريار عن حرب الخليج، كان يناقش شكل تمثيل الحرب أكثر مما يناقش الحرب ذاتها. وكان يقول إن الحرب التي تُبنى على الشاشة والحرب التي تُعاش في الجبهة أخذتا تبتعدان تدريجيًا إحداهما عن الأخرى.
ويظهر اليوم مشهد مشابه في السياسة الدولية.
فهناك مئات الصحفيين الذين يتابعون القمة نفسها، لكن العالم لا يشاهد قمة واحدة للناتو. كل عاصمة ترى قمة مختلفة، مرت عبر مرشح ذاكرتها السياسية الخاصة.
النص الذي يُقرأ في واشنطن ليس هو النص الذي يُقرأ في وارسو. والموضوعات التي تثير انتباه باريس تختلف عن تلك التي تبرزها أنقرة. كما تفصل مسافة واضحة بين التصور الأمني لدول البلطيق وأجندة إسبانيا في البحر المتوسط.
الحقيقة لا تتغير، لكن ترتيب الحقيقة هو الذي يتغير.
يقول والتر ليبمان إن الرأي العام لا يختبر العالم بصورة مباشرة، بل يفهمه من خلال الصور المتشكلة في ذهنه. وعلى الرغم من أن تقنيات الاتصال تغيرت كليًا خلال القرن الماضي، فإن هذه الملاحظة لا تزال تحتفظ بحيويتها.
فالمسافة بين العالم الذي يراه الناس والعالم كما هو تتشكل وفق طبيعة تداول الأخبار.
أما حنّة آرنت فتكتب أن السياسة تميل إلى تغيير الظهور العام للحقيقة أكثر من ميلها إلى القضاء على الحقيقة نفسها. وهذه الفكرة جديرة بالاهتمام أيضًا لفهم النظام الإعلامي المعاصر.
فالنقاش لم يعد يتركز على قدرة الأفكار على أن تُقال بحرية، بقدر ما يتركز على الأفكار القادرة على النفاذ إلى التداول العام.
وفي هذا السياق، تكتسب المكانة التي بنتها عبر التاريخ وكالات ومؤسسات مثل «رويترز» و«أسوشيتد برس» و«وكالة الصحافة الفرنسية» و«بي بي سي» معنى آخر.
لم يتشكل وزن هذه المؤسسات بالمصادفة. فقد حولتها الثقة التي بُنيت عبر عقود، وشبكات المراسلين الواسعة، والاستمرارية المؤسسية، إلى العمود الفقري للتداول العالمي للأخبار.
لكن حيثما توجد المكانة يتراكم النفوذ أيضًا. وكلما زاد النفوذ، ازدادت القدرة على تحديد جدول الأعمال. وهكذا تتحول القوة من ضغط ظاهر إلى سلطة يُنظر إليها باعتبارها أمرًا طبيعيًا.
يطرح إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في كتابهما «صناعة الإذعان» ادعاء لافتًا. فهما يريان أن القبول داخل الديمقراطيات الحديثة لا يُنتج من خلال القمع الفج، بل من خلال اختيار الأخبار، وتحديد الأولويات، والبناء التدريجي لجدول الأعمال العام.
ليس من الضروري الاتفاق مع جميع النتائج التي يصل إليها هذا التصور، لكن لا يمكن إنكار أنه نقل النقاش الإعلامي إلى ما وراء الرقابة الحكومية.
كانت الفكرة التي دارت في ذهني وأنا أراقب الميكروفون يمر أمامي في قاعة المجمع الرئاسي نابعة تحديدًا من هنا.
كان جميع الموجودين هناك صحفيين، وكانوا جميعًا زملائي، لكننا لم نكن نمتلك الوزن نفسه من حيث القدرة على الوصول إلى المجال العام.
لم يكن الفارق ناتجًا فقط عن طبيعة السؤال، بل عن المكانة التي اكتسبتها المؤسسة التي يمثلها الصحفي عبر التاريخ.
وربما ينبغي البحث هنا عن نقطة الانطلاق للمراجعة المعاصرة لمفهوم حرية الصحافة.
فالمسألة لم تعد مقتصرة على مَن يستطيع الكلام؛ بل أصبح السؤال عمن يستطيع أن يُسمَع لا يقل أهمية عنه.
وهم الديمقراطية الحديثة
عندما عدت بهذه الأفكار إلى القاعة، كان أمامي مشهد آخر. كان الأشخاص أنفسهم يجلسون في المقاعد نفسها، لكنني لم أعد أنظر إلى القاعة ذاتها.
كانت الثواني القليلة الفاصلة بين رفع الصحفي يده ومنحه حق الكلام مليئة بتفاصيل لم تلفت انتباهي في اليوم الأول: الاتجاه الذي يسلكه الميكروفون، والتوقع السائد داخل القاعة، والعناوين التي ستنقل من خلالها الإجابة بعد دقائق قليلة إلى عواصم مختلفة.
تُعرّف الدبلوماسية غالبًا بأنها العلاقات التي تقيمها الدول. لكنني أدركت في تلك القاعة أن للخبر أيضًا دبلوماسيته الخاصة.
ولا يعني هذا الحديث عن ترتيب سري يجري خلف الأبواب المغلقة، بل على العكس تمامًا.
تنبع قوة الديمقراطيات الحديثة، إلى حد بعيد، من نجاحها في بناء مؤسسات يمكن توقع سلوكها.
فمكانة «رويترز»، ووزن «بي بي سي»، وموثوقية «أسوشيتد برس»، والتأثير العالمي لصحيفة «نيويورك تايمز»، لم تظهر في ليلة واحدة.
لقد حولتها السمعة المهنية المتراكمة عبر أجيال إلى مصادر يلجأ إليها الرأي العام الدولي.
غير أن كل مؤسسة تنتج، بمرور الزمن، ثقلها الخاص. وكلما ازداد الثقل، نشأ المركز. وحين يتشكل المركز، يتحدد الهامش. ومع ظهور الهامش، يبدأ الظهور بالتفاوت بصورة تبدو طبيعية.
يقرأ علم السياسة هذا الأمر من خلال توزيع القوة، بينما يقرأه علم اجتماع الإعلام من خلال الظهور. وغالبًا ما يلتقي المجالان عند النقطة نفسها.
يقول بيير بورديو، في تحليله للصحافة، إن التأثير الأكبر لا ينشأ من الحظر المباشر، بل من التراتبية الداخلية للحقل نفسه:
أي الأصوات يُعترف بها بوصفها جديرة بالاعتبار؟
وأي المؤسسات تتحول إلى مرجع؟
وأي الأسماء تكتسب ثقة الجمهور؟
هذه ليست قواعد يكتبها القانون، لكنها تشكل التداول العام بقدر لا يقل عن تأثير القانون.
كنت أعتقد أنني أشاهد مؤتمرًا صحفيًا. لكنني في الحقيقة كنت أشاهد الطريقة التي يعمل بها النظام العالمي للأخبار.
لا شك في أهمية النقاشات المتعلقة بحرية الصحافة في تركيا. والتستر على هذه النقاشات لا يفيد أي مجتمع. لكن عند الحديث عن الغرب، ينبغي الحفاظ على الصرامة الفكرية نفسها.
فالحضارات التي تنتج المعايير تُختبر أكثر ما تُختبر بالمعايير التي وضعتها هي ذاتها.
وتُظهر النقاشات التي شهدتها أوروبا والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة ذلك بوضوح.
فمع إقرار قانون الخدمات الرقمية، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تعريف دور المنصات الإلكترونية في التداول العام. وكان المبرر هو مكافحة المعلومات المضللة.
لكن أسئلة من قبيل: أي المحتويات سيُحد من تداولها؟ وأي المعلومات ستُعتبر «خطرًا عامًا»؟ وبأي إجراءات ستُتخذ هذه القرارات؟ تحولت سريعًا إلى مساحة نقاش مشتركة بين القانونيين والصحفيين وعلماء السياسة.
أما في الولايات المتحدة، فقد اتُبع مسار مختلف.
أصبحت تدخلات شركات التواصل الاجتماعي في مستوى ظهور المحتوى خلال فترات الانتخابات، والاتصالات بين المؤسسات الفيدرالية وشركات التكنولوجيا، ودور المنصات في النقاش العام، موضوعًا لقضايا وصلت إلى المحكمة العليا.
لم تكن المسألة تتعلق بوجود حرية التعبير من عدمه، بل بالسؤال عن الجهة التي تنظم الفضاء العام الرقمي.
ولهذا، عند مناقشة حرية الصحافة في القرن الحادي والعشرين، ينبغي قراءة المسار الطويل الممتد من المطبعة إلى الخوارزمية بوصفه مسارًا واحدًا.
فالمسار الذي يسلكه الميكروفون داخل القاعة، والمسار الذي تسلكه الأخبار لتظهر على شاشاتنا، يتشابهان أكثر مما يُعتقد.
أزمة الشرعية السياسية
لم يكن جزء مهم من الشرعية السياسية التي بناها الغرب خلال القرنين الماضيين نابعًا من قوته العسكرية أو الاقتصادية.
ما جعله مختلفًا هو نجاحه في تحويل قيمه الخاصة إلى لغة عالمية. فتحولت حقوق الإنسان، وسيادة القانون، وحرية التعبير، وحرية الصحافة، تدريجيًا، من مفاهيم تخص النظام القانوني الداخلي للغرب إلى معايير للسياسة الدولية.
صارت الدول تُقيّم وفق هذه المفاهيم، وأصبحت العقوبات تُضفى عليها الشرعية في إطارها، كما مورست الضغوط الدبلوماسية من خلال لغتها.
لكن ادعاءً كهذا يفرض بطبيعته مسؤولية ثقيلة. فكل مبدأ يدّعي العالمية يتحول أولًا إلى اختبار للذين وضعوه.
ومن هنا تنبع خطورة النقاشات التي شهدتها السنوات الأخيرة.
فبينما يوصي الاتحاد الأوروبي العالم بالتعددية الإعلامية، يبني داخل منظومته مجالًا قانونيًا واسعًا يحدد المحتويات التي تستطيع المنصات الرقمية تقييدها.
وبينما تضع الولايات المتحدة حرية التعبير في قلب نظامها الدستوري، يتزايد تأثير شركات التكنولوجيا في النقاش العام إلى مستويات غير مسبوقة.
لقد أصبحت القرارات التي تتخذها المنصات الكبرى بشأن العنوان الذي سيُبرز، والصورة التي ستصل إلى ملايين الأشخاص، والخبر الذي سيبقى غير مرئي، جزءًا لا يتجزأ من النقاش الصحفي.
لكن قراءة هذا المشهد بوصفه تناقضًا بسيطًا ستكون قراءة ناقصة؛ إذ يجري تحول أعمق.
سعت الديمقراطية الليبرالية طوال سنوات طويلة إلى تقييد سلطة الدولة. أما اليوم، فقد ظهرت أمامها مراكز قوة جديدة تمتلك تأثيرًا يضاهي تأثير الدولة:
شركات التكنولوجيا، ومنصات الاتصال العالمية، واحتكارات البيانات، وشبكات الأخبار الدولية.
ليست أي من هذه الجهات دولة بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك في تشكيل الرأي العام نفوذًا أكبر من نفوذ دول كثيرة.
وما يلفت الانتباه في هذه النقطة هو أن التقليد الفكري الغربي نفسه اعترف إلى حد بعيد بهذا التحول.
كان مفهوم المجال العام عند يورغن هابرماس يقوم على افتراض أن العقل المشترك سيتشكل من خلال النقاش الحر.
أما اليوم، فإن جزءًا مهمًا من ذلك المجال العام يتشكل داخل البنية الهندسية لعدد محدود من المنصات الرقمية.
ويذهب بيونغ تشول هان إلى أبعد من ذلك، فيصف النظام الذي نعيش فيه بـ«الإنفوقراطية» أو «حكم المعلومات». فالسلطة، بحسبه، لم تعد تتغذى على ندرة المعلومات، بل على وفرتها.
لا يجري إسكات الإنسان، بل يفقد اتجاهه داخل التدفق اللامتناهي للمعلومات.
وهذا هو ما خطر في ذهني بينما كنت أراقب الميكروفون يمر أمامي في المجمع الرئاسي.
لم أكن أشاهد مؤتمرًا صحفيًا، بل كنت أشاهد العالم الليبرالي وهو يُختبر من جديد بمفاهيمه الخاصة.
ينبغي النظر إلى الانتقادات الموجهة إلى تركيا بوصفها جزءًا طبيعيًا من الحياة الديمقراطية. لكن عندما لا تُوجَّه الصرامة الفكرية ذاتها إلى المؤسسات الغربية، يصبح الخط الفاصل بين المبدأ والاختيار السياسي ضبابيًا.
فعالمية أي مفهوم لا تُقاس بمدى توصيتك الآخرين به، بل بمدى محافظتك عليه لنفسك أيضًا.
وربما لهذا السبب، فإن السؤال الذي ينبغي التركيز عليه اليوم أوسع من سؤال: «هل توجد حرية للصحافة؟».
مَن يعرّف حرية الصحافة؟
ومَن يرسم حدود هذا التعريف؟
والأهم من ذلك: هل تبدأ هذه الحدود من النقطة نفسها بالنسبة إلى الجميع؟
ما بقي
في طريق عودتي من أنقرة، تصفحت دفتر ملاحظاتي مرة أخرى.
كانت هناك أرقام متعلقة بالإنفاق الدفاعي، وفقرات وضعت خطوطًا تحتها في البيان المشترك، وملاحظات عن القطب الشمالي، والبحر الأسود، وروسيا، والصين، والصناعات الدفاعية.
كان في حقيبتي كل ما يُتوقع العثور عليه في حقيبة صحفي عائد من قمة للناتو. ومع ذلك، لم تكن تلك السطور أكثر ما بقي في ذهني.
فالقمة التي تابعتها على مدى عدة أيام دفعتني، قبل التفكير في سياسات الأمن، إلى نوع آخر من المراجعة.
لم يكن توازن القوة متعلقًا بالقرارات التي تتخذها الدول وحدها، بل باللغة التي تُشرح بها تلك القرارات للعالم أيضًا.
فالحضارة تبني جزءًا من شرعيتها من خلال المفاهيم التي تروي بها قصتها. وعندما تتضرر مكانة تلك المفاهيم، يبدأ نفوذها بالتآكل بصورة طبيعية.
لم تكن أعظم قوة امتلكها الغرب طوال سنوات طويلة مقتصرة على تفوقه العسكري أو الاقتصادي. كان الأهم هو قدرته على تحويل لغته السياسية الخاصة إلى لغة عالمية.
وكانت حرية الصحافة أحد أقوى أعمدة هذه اللغة.
لكن المبدأ لا يحتفظ بصفته العالمية إلا ما دام ملزمًا أيضًا للذين وضعوه. وعندما يبدأ المعيار بالتغير، لا يضعف المفهوم نفسه، بل تضعف الثقة به.
لهذا، لا أقرأ النقاشات الجارية اليوم حول حرية الصحافة بوصفها قضية تخص بلدًا واحدًا.
فنحن أمام تحول مشترك له أوجه مختلفة في أنقرة وواشنطن وبروكسل ولندن.
الدول تتغير، والتكنولوجيا تتغير، وطرق تداول الأخبار تتغير، لكن العلاقة بين القوة والظهور تحافظ على وجودها.
كان أحد الصحفيين يرفع يده، فيتحرك الميكروفون ببطء نحوه، ثم يُطرح سؤال واحد.
وكانت الأخبار التي ستُقرأ في صباح اليوم التالي في عواصم مختلفة من العالم تولد، في كثير من الأحيان، من داخل تلك الثواني القليلة.
ذهبت إلى أنقرة لمتابعة قمة للناتو.
لكن ما بقي في ذهني عند العودة لم يكن جمل رؤساء الدول بقدر ما كان الطريق المؤدي إلى تلك الجمل.
فالصحافة تعني أحيانًا محاولة فهم الطرق التي فُتحت أمام السؤال، قبل تسجيل الإجابة.
وربما كان هذا هو الجانب الأصعب في مهنتنا.
فالمسافة بين اليد الممتدة نحو الميكروفون واليد الممتدة نحو الحقيقة أطول، في كثير من الأحيان، مما نتصور.
وعندما غادرت أنقرة، لم تبق في ذهني الإجابات التي قُدمت وحدها، بل بقيت أيضًا الطرق التي أُتيحت للوصول إلى تلك الإجابات.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس










