عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

يعلم الجميع أن مستوى الدعم لإسرائيل بين الأمريكيين قد تراجع إلى أدنى مستوياته. ومن ناحية أخرى، بات من الواضح أن قدرة "اللوبي الإسرائيلي" على تشكيل الرأي العام تتضاءل يوماً بعد يوم. وكذلك فإن وسائل الإعلام الأمريكية، التي أتقنت منذ زمن طويل تبرئة إسرائيل وتلميع صورتها، قد فقدت، إذا جاز التعبير، مصداقيتها ولم تعد تحظى بالثقة. لقد ولّت الأيام المشرقة بالنسبة لإسرائيل.

وتشهد القواعد الشبابية لكلا جناحي السياسة الأمريكية ردود فعل قوية لا يمكن احتواؤها ضد النفوذ السياسي الذي يمارسه اللوبي الإسرائيلي والمليارديرات الصهاينة الممولون للحملات السياسية. كما أن القيادات التقليدية الوسطية المؤيدة لإسرائيل في الحزبين لم تعد تمتلك المهارة التي كانت تتمتع بها سابقاً في احتواء أو صد هذه الموجة المتصاعدة من الرفض داخل قواعدها الشعبية. وحتى السياسيون الذين يدافعون بحماسة عن الدعم غير المشروط لإسرائيل باتوا يشعرون بضرورة التحلي بقدر من الاعتدال في خطابهم أمام الرأي العام.

ولطالما حقق اللوبي الإسرائيلي، إلى جانب المؤسسات الإعلامية الرئيسية المرتبطة به وصناعة السينما، نجاحاً كبيراً في ترسيخ الرواية التاريخية الرسمية لإسرائيل في أذهان الأمريكيين. فقد نقلت وسائل الإعلام الأمريكية دائماً ما يجري في الشرق الأوسط إلى الجمهور الأمريكي من خلال المنظور الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً، فإن الفلسطينيين صُوّروا في هذه الرواية على أنهم "الأشرار" الذين يضطهدون اليهود ويغتصبون أراضيهم. ولم يدرك الأمريكيون إلا في وقت متأخر أن الفلسطينيين عاشوا في هذه الأرض منذ آلاف السنين، وأن الصهاينة هم الذين احتلوا أراضيهم.

وكانت الصهيونية، وكذلك الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، من ابتكار بريطاني. فقد انتقلت الصهيونية والصهيونية المسيحية إلى أمريكا خلال القرن التاسع عشر على يد دعاة انشقوا عن التيار البروتستانتي السائد في بريطانيا. أما الصهيونية المسيحية فقد نمت واتسعت بعد إنشاء إسرائيل. وقد وجد الصهاينة في الصهاينة المسيحيين أكثر أنصارهم تعصباً وإخلاصاً لهم.

وعندما أُنشئت إسرائيل عام 1947، كانت الرواية السائدة في العالم الغربي تقوم على أن فلسطين "أرض بلا شعب"، وأن اليهود "شعب بلا أرض". ووفقاً لهذه الرواية، كان اليهود يصنعون معجزة بتحويل أراضي فلسطين، التي لم تكن سوى صحراء، إلى أرض خضراء. غير أن ذلك كان كذبة كبرى. كما تغذت هذه الرواية على ادعاء مفاده أن الحضارة الغربية تقوم على ما يسمى "القيم المسيحية - اليهودية"، وأن إسرائيل جزء من تلك الحضارة. أما "حل الدولتين" فقد ظل سياسة تواصل الولايات المتحدة والغرب التهرب منها باستمرار.

وكان البريطانيون أيضاً مهندسي سياسة "التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة". وقد انتقلت هذه السياسة إلى الولايات المتحدة بعد خمسينيات القرن الماضي. ومع انهيار الإمبراطورية البريطانية، لعب البريطانيون دوراً في توجيه قوة الولايات المتحدة الصاعدة نحو حماية إسرائيل.

وكانت الولايات المتحدة نفسها نتاجاً لسياسات الاستيطان الاستعماري. ولذلك لم تكن "الصهيونية" غريبة عن النخب السياسية الأمريكية. ويكمن هذا الأُنس الفكري في جذور الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل. وخلال فترة "الحرب الباردة" ستنتقل العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية إلى مستوى أكثر تقدماً.

وكان فيلم "Exodus (الخروج)"، الذي عُرض عام 1960 وقام ببطولته الممثل الشهير بول نيومان، مثالاً نموذجياً على مساواة اليهود بالأوروبيين البيض. فقد اختير نيومان، الأشقر ذو العينين الزرقاوين، ليؤدي الدور الرئيسي باعتباره الشخصية التي ينبغي أن تجسد للأمريكيين الكيفية التي يجب أن ينظروا بها إلى قيام إسرائيل. وفي الفيلم، صُوِّر البطل الذي أداه نيومان على أنه بطل جاء بالحضارة إلى الشرق الأوسط.

غير أن صورة اليهودي في الذاكرة الغربية كانت مختلفة تماماً عن صورة اليهودي الصهيوني التي قدمها هذا الفيلم. ويكفي أن نتذكر المجازر التي تعرض لها اليهود في حوض الراين خلال الحروب الصليبية، أو ما جرى لهم في إسبانيا أواخر القرن الخامس عشر، ثم ما ارتكبه النازيون الغربيون لاحقاً. لقد كان فرض قيام إسرائيل بالقوة بالنسبة للغرب وسيلة لـ"غسل يديه والتنصل من المسؤولية". وقد فعل ذلك بإلقاء فاتورة ذلك على الفلسطينيين.

وكان من المحتم أن تتحول الصهيونية المدعومة من الغرب إلى أيديولوجية إبادة جماعية. وقد رأى العالم بأسره أن من حوّلوا الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها غزة، إلى صحراء باستخدام القنابل الأمريكية، هم "الصهاينة الفاشيون" الذين ترعرعوا بفضل السياسات الغربية المنافقة. وأصبح العالم اليوم يعلم أن إسرائيل هي مصدر الحروب وحالة عدم الاستقرار في المنطقة.

ولن يكون من الممكن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. فالغربيون هم الذين جلبوا الصهيونية الفاشية الإبادية إلى هذه المنطقة، ورسخوها، ورعوها. وقد أصبحت إسرائيل في المرحلة الراهنة عبئاً ثقيلاً يصعب على الولايات المتحدة والغرب تحمله. وإذا لم يتخلص الغرب من هذا العبء، فلن يكون بمقدوره أن يغسل يديه من جريمة الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون.

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس