عبد الله مراد أوغلو – يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ستُجرى الانتخابات في إسرائيل في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول. وهذه الانتخابات أكثر أهمية بكثير لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب إبادة جماعية، من الانتخابات السابقة. وبالنسبة إلى نتنياهو، الذي نجح حتى الآن في الإفلات من الإدانة في قضايا الفساد المرفوعة ضده، يبدو أن نهاية الطريق قد اقتربت. وقد تكون انتخابات أكتوبر/تشرين الأول آخر انتخابات يخوضها نتنياهو. لكن انتصار الكتلة الصهيونية المناهضة لنتنياهو ليس مضمونًا أيضًا.

ويكثر الحديث هذه الأيام في وسائل الإعلام الصهيونية عن الدور الذي سيؤديه اليهود الذين فرّوا من إسرائيل في الانتخابات. ويُشار إلى أن اليهود الفارين ينتمون في الغالب إلى الأوساط الليبرالية والعلمانية. ويُقال إن موجة الهجرة هذه تصب في مصلحة نتنياهو. ووفقًا للقوانين الإسرائيلية، لا يستطيع الناخبون التصويت من خارج البلاد، بل يتعين عليهم القدوم إلى إسرائيل حتى يتمكنوا من الإدلاء بأصواتهم.

ويُشار إلى أن عدد اليهود الذين فرّوا من إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا يقل عن 250 ألفًا. ويُعد هذا الرقم كبيرًا ولا يُستهان به قياسًا إلى عدد سكان إسرائيل. وحتى لو كانت موجة الهجرة من إسرائيل إلى دول أخرى تخدم نتنياهو سياسيًا، فإن هذا التطور يُنظر إليه على أنه مؤشر على إفلاس الصهيونية. وهذا الوضع يتسبب في صراعات بين الصهاينة.

كان الصهاينة يدافعون عن أن إسرائيل، التي أقامتها القوى الغربية قسرًا في الأراضي الفلسطينية، هي الملاذ الأكثر أمنًا لليهود في العالم. لكن «الصهيونية» باتت تفقد مكانتها في إسرائيل أيضًا، وبين اليهود خارج إسرائيل كذلك. ويتزايد في الولايات المتحدة عدد اليهود الذين يقولون إنهم انفصلوا عن الصهيونية. وهناك أعداد كبيرة من اليهود الذين يقولون: «لم أعد صهيونيًا»، لا يريدون المشاركة في لعنة إبادة الفلسطينيين. ويُعبَّر عن هذا التوجه بصورة واسعة، ولا سيما بين الشباب اليهود في الولايات المتحدة، حامية إسرائيل.

وفي الوقت الذي يحاول فيه نتنياهو، باستخدام القوة الأمريكية، توسيع الحدود من أجل ما يسمى «إسرائيل الكبرى»، تكشف موجة الهجرة هذه إفلاس الصهيونية. كما أن وصف إسرائيل في أوساط الرأي العام الغربي بأنها دولة منبوذة يؤدي إلى استنزاف الدعم الخارجي للصهيونية.

وتشير منشورات صهيونية إلى أن غالبية اليهود الذين هاجروا من إسرائيل يتألفون من أطباء ومهندسين وأكاديميين وعاملين في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وأشخاص حاصلين على درجات الماجستير أو الدكتوراه. وهذه الموجة من الهجرة ليست هجرة عادية؛ إذ إن إسرائيل تفقد جزءًا كبيرًا من سكانها المتعلمين والعلمانيين والليبراليين، الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من قوتها العلمية والطبية والثقافية. وتوصف موجة الهجرة هذه أيضًا بأنها «هجرة اليأس»، وترتبط بعدم رؤية شريحة مهمة من السكان مستقبلًا لأنفسهم في إسرائيل بعد الآن.

وفي الوقت الذي يُعفى فيه طلاب «مدارس التوراة» (اليشيفا) التابعة لليهود الحريديم في إسرائيل من الخدمة العسكرية، فإن تمديد فترات خدمة الفئات الأخرى بصفتهم جنود احتياط يُعد أحد أسباب موجة الهجرة. ويقول بعض الكتاب الصهاينة إن نتنياهو لا يكتفي بتقبّل مغادرة ناخبي المعارضة لإسرائيل، بل إنه يسهل أيضًا فرارهم إلى الخارج.

وبحسب ذلك، فإن نتنياهو يتعمد بناء بيئة يشعر فيها المهنيون العلمانيون بأنهم ضعفاء سياسيًا، ومستغلون اقتصاديًا، وغير مرغوب فيهم ثقافيًا. وبينما يواصل نتنياهو تمويل القطاعات الموالية للائتلاف الحالي، فإنه يحاول البقاء في السلطة من خلال تحميل المعارضين لهذا الائتلاف العبء العسكري والمالي الأساسي. أما الامتيازات الممنوحة لطلاب اليشيفا فتثير استياء الأوساط المتعلمة والعلمانية. كما أن محاولات تجنيد طلاب اليشيفا في الجيش تتسبب في مواجهات متكررة بين الشرطة والحريديم.

كذلك، يرى العديد من الكتاب الصهاينة أن موجة الهجرة نذير بكارثة بالنسبة إلى إسرائيل. ويقول هؤلاء الكتاب إن نتنياهو يضحي بأكثر الموارد البشرية إنتاجية في إسرائيل من أجل البقاء السياسي. ووفقًا لهؤلاء الكتاب، الذين يلفتون الانتباه إلى محاولة نتنياهو التأثير في نتائج الانتخابات من خلال تغيير التركيبة السكانية عبر الهجرة، فقد أقنع نتنياهو الأوساط الليبرالية والمتعلمة في إسرائيل بأن البلاد لم تعد ملكًا لهم. ويحذر هؤلاء الكتاب من أن التغيير اللافت في التركيبة السكانية قد يساعد نتنياهو على البقاء في السلطة، لكن ثمن ذلك سيكون تعريض مستقبل إسرائيل للخطر.

وفي الوقت الذي يُعاد فيه تشكيل توازن القوى في المنطقة، تحاول إسرائيل تشكيل «محور شر» لعرقلة هذا التطور. غير أن إسرائيل تتخبط في جرأة تتجاوز حدود قوتها بأشواط شاسعة. وقد ينتهي حلم «إسرائيل الكبرى» إلى تمزيق الصهيونية إربًا.

وباختصار، هناك حساب داخلي كبير يجري بين الصهاينة في إسرائيل. وبالتالي، فإن «انتخابات أكتوبر/تشرين الأول» ستُظهر أيضًا إلى أين سيتجه هذا الصراع الداخلي.

 

عن الكاتب

عبد الله مراد أوغلو

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس