
ياسين أقطاي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
قد تكون الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بشكل ممنهج في غزة رغم وقف إطلاق النار، وإرهابها الهمجي الذي يمارسه مغتصبو الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب هجماتها المتكررة على إيران ولبنان، فضلاً عن التطورات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة في اليمن وليبيا، قد دفعت المأساة الإنسانية المتواصلة في السودان منذ نحو 3 سنوات إلى خارج دائرة الاهتمام. لكن ما يحدث في السودان ليس منفصلاً عن كل هذه الأحداث. فالهدف مرة أخرى هو المضي خطوة إضافية في مخطط الاحتلال والنفوذ الصهيوني، لكن النتيجة، كما جرت العادة، هي نشوء مقاومة أيضاً.
تُظهر الأخبار الواردة من السودان، يوماً بعد يوم، وبصورة أكثر وضوحاً، أن الحرب الدائرة في البلاد لا تقتصر على صراع على السلطة يجري في الجبهات العسكرية. ووفقاً لتصريحات السلطات السودانية، يُحتجز نحو 6 آلاف شخص في السجون التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الفاشر. كما أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» بأن أكثر من 5 آلاف طفل نزحوا مجدداً خلال فترة زمنية قصيرة.
وتُظهر هذه الأخبار أن الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان ليست مجرد نتيجة جانبية حتمية للحرب، بل تثبت وجود واقعة احتلال تتمثل في تهجير المدنيين واحتجازهم ونهب المدن وتفكيك النسيج الاجتماعي.
لقد قلنا منذ البداية إن الاستمرار في وصف الحرب في السودان بأنها «حرب أهلية تدور بين طرفين متساويين» يتجاهل الحقيقة السياسية والقانونية على حد سواء. فهذا التعريف ينتج تماثلاً مضللاً يضع الدولة الشرعية، والهيكل المسلح الذي يسعى إلى إسقاطها، والتدخل الخارجي الذي يقف وراء هذا الهيكل، ومحاولة الاحتلال، في المستوى نفسه.
لا يوجد في السودان طرفان شرعيان متكافئان. فمن جهة، هناك الدولة السودانية وقواتها المسلحة، المعترف بهما بموجب القانون الدولي رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف والأخطاء التي ارتُكبت في الماضي. ومن جهة أخرى، هناك قوات الدعم السريع، التي لم تتحمل يوماً مسؤولية إقامة دولة، ونمت عبر اقتصاد الحرب، وحولت النهب إلى وسيلة للتمويل، وتحافظ على قدراتها العسكرية بفضل الدعم الخارجي.
وبالتالي، فإن ما يحدث في السودان ليس صراعاً داخلياً عادياً ناتجاً عن عجز جيشين عن تقاسم السلطة. بل هو معركة من أجل بقاء الدولة الشرعية للمجتمع في مواجهة هيكل شبه عسكري مدعوم من الخارج، يتجه إلى نهب موارد البلاد ومدنها ومؤسساتها.
إن قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين دول مختلفة، أمر مهم باعتباره اعترافاً بحقيقة الوضع. لكن تعريف «حرب الوكالة» يؤدي أيضاً إلى إظهار الأطراف الخارجية وكأنها أصحاب مصالح متكافئة، بما يفضي إلى طمس علاقات المسؤولية عن الحرب.
المسألة الأساسية في السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى إقليمية مختلفة. إنها محاولة لإسقاط دولة شرعية من الداخل، عبر هيكل مسلح مدعوم من الخارج. ولذلك، وبينما ينبغي الاعتراف بالبعد المتعلق بحرب الوكالة، يجب أيضاً التحدث بوضوح عن الجهة التي تدعم كل هيكل مسلح، والأهداف التي تقف وراء ذلك، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الجناة الفعليين، وليس مجرد المشتبه بهم المعتادين.
إن سجل قوات الدعم السريع حتى اليوم يُظهر بوضوح أنها لا تحمل هدف إقامة دولة أو إدارة المجتمع. فالمجازر المرتكبة بحق المدنيين في دارفور، والاتهامات بارتكاب جرائم تطهير عرقي، والعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة، كلها تكشف طبيعة هذا الهيكل.
والسجون التي يُحتجز فيها آلاف الأشخاص في الفاشر جزء من هذا المشهد. فإذا كان هيكل مسلح ينتج الخوف والنهب والاعتقال التعسفي بدلاً من القانون والخدمات العامة والأمن في المناطق التي يسيطر عليها، فلا يمكن القول إنه يمثل بديلاً للدولة. إن هذا، في أحسن الأحوال، محاولة احتلال بالوكالة.
وتتهم الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع. كما أن تقارير المنظمات الدولية والتحقيقات الإعلامية والنقاشات التي تجري في عدد من الدول تجعل الادعاءات المتعلقة بهذا الدعم أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في المقابل، تنفي حكومة أبوظبي هذه الاتهامات.
غير أن دور الإمارات في السودان لا يمكن تناوله بمعزل عن مناطق الأزمات الأخرى في العالم الإسلامي. فعند النظر مجتمعة إلى الدعم المقدم لخليفة حفتر في ليبيا، وإضعاف الحكومة المركزية في اليمن بما يعزز الهياكل الانفصالية، وشبكة النفوذ التي أُقيمت عبر الموانئ والقواعد العسكرية في القرن الإفريقي، والسياسات المتماشية مع أولويات إسرائيل الأمنية بشأن غزة، والادعاءات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، يظهر أمامنا مسار استراتيجي أوسع من مجرد أحداث منفردة.
والنتيجة المشتركة لهذا المسار هي إضعاف الدول القوية والمستقلة والقائمة على شرعيتها المجتمعية في العالم الإسلامي، وظهور هياكل مسلحة مجزأة ومتعارضة تعتمد على الدعم الخارجي بدلاً منها.
وإسرائيل واحدة من أبرز المستفيدين من مثل هذا النظام الإقليمي. إذ إن مفهوم إسرائيل للأمن على المدى الطويل يقوم على وجود هياكل محيطة بها منشغلة بصراعات داخلية، ومجزأة، ومنفتحة على التدخل الخارجي، وليس دولاً قوية ومستقلة.
ويُعد السودان إحدى الحلقات المهمة في هذا المشهد الاستراتيجي. فسواحله الطويلة المطلة على البحر الأحمر، وموقعه بين إفريقيا والعالم العربي، وقدراته الزراعية، وموارده الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، وعمقه الجيوسياسي، تضع البلاد في قلب التنافس الإقليمي. ومن شأن بقاء السودان دولة قوية أن يمتلك قدرة على التأثير مباشرة في موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ولهذا، فإن الصراع الدائر في البلاد لا يتعلق فقط بمن سيتولى السلطة في الخرطوم. بل يتعلق بما إذا كانت الدولة السودانية ستتمكن من الحفاظ على وجودها ووحدة أراضيها وسيادتها أم لا.
ولا يمكن البحث عن حل في السودان من خلال صيغ هجينة تخفض الدولة إلى مستوى أحد الفصائل المسلحة. فالحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة إرساء سلطة الدولة، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وإخضاع جميع الهياكل المسلحة للمؤسسات الشرعية للدولة، وإنشاء مسار يمكّن الشعب السوداني من امتلاك زمام مستقبله السياسي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













