
أوموت برهان شن - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
تبدو التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدها إقليم شمال كردفان في السودان، للوهلة الأولى، وكأنها عملية تكتيكية ذات طابع إقليمي، إلا أنها في جوهرها تمثل إحدى نقاط التحول في صراع جيوسياسي واسع النطاق يمتد من حوض البحر الأحمر إلى العمق الاستراتيجي لشرق إفريقيا.
فقد أسفرت استعادة القوات المسلحة السودانية، مدعومة بالقوات المشتركة المتحالفة معها، السيطرة على مدينة بارا ومنطقتي البركة وأم سيالة خلال الأيام الماضية، ليس فقط عن ترجيح الكفة العسكرية لصالح الحكومة في الخرطوم، بل وجهت أيضًا ضربة استراتيجية بالغة القسوة إلى بنية الحرب بالوكالة التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع (RSF) المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة في المنطقة.
وبطبيعة الحال، فإن إدراك الطبيعة الحقيقية لهذا الإنجاز العسكري يتطلب قراءة صحيحة للمعطيات التي تفرضها الجغرافيا العسكرية. فمحور أم سيالة–بارا يتجاوز بكثير كونه مجرد منطقتين عاديتين على الخريطة، إذ يمثل الشريان الرئيسي الذي تعتمد عليه قوات الدعم السريع لنقل الأفراد والذخائر والتمويل من مراكز الإمداد في غرب السودان ودارفور إلى قواتها الرئيسية التي تخوض المعارك في الخرطوم وأم درمان.
ومن ثم، فإن إحكام الجيش السوداني السيطرة على هذا المحور الحيوي يؤدي إلى شل المرونة العملياتية والقدرة اللوجستية لقوات الدعم السريع داخل ساحة القتال بشكل مباشر.
كما أن كسر الحصار الطويل المفروض على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وتأمين ممر الإمداد بين الخرطوم وشرق السودان، يعكس أن الجيش بات يمتلك التفوق النفسي والاستراتيجي بصورة كاملة.
وعند النظر إلى هذه القضية من منظور المعادلات الإقليمية والدولية، فإن هذا التطور يمثل ردًا مباشرًا على هندسة السياسة الخارجية التي تقودها أبوظبي، وعلى امتداداتها في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.
فالاستراتيجية التي تنتهجها دولة الإمارات العربية المتحدة للسيطرة على الموانئ ومناطق التعدين ومسارات التجارة في المنطقة عبر كيانات مثل قوات الدعم السريع، اصطدمت بعائق كبير يتمثل في العقل المؤسسي للدولة السودانية وإصرار الجيش الوطني على حماية السيادة.
كما أن إدارة مناطق النفوذ التي حاولت الإمارات تكريسها عبر المرتزقة، وشبكات التمويل غير الرسمية، ووكلائها المحليين، أثبتت مرة أخرى أن أي طرف لا يستطيع الحفاظ على خطوط الإمداد اللوجستية على الأرض لن يكون قادرًا على ترسيخ وجود دائم.
وفي الواقع، تكمن الهشاشة الأساسية لحروب الوكالة تحديدًا في هذه النقطة؛ فالميليشيات التي تعجز عن الحفاظ على تماسكها اللوجستي على الأرض، ولا تستطيع مواجهة مفهوم العمليات المنهجية الذي تنفذه الجيوش النظامية، لا يمكنها الصمود في حرب استنزاف طويلة، مهما بلغ حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه.
ومن ناحية أخرى، يتمثل البعد الجيوستراتيجي الآخر لهذه العملية في تعزيز قدرة حكومة الخرطوم على بناء التحالفات الإقليمية والدولية.
فالنجاح الواضح الذي حققه الجيش السوداني في الميدان يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي والفاعلين الإقليميين مفادها أن الدولة السودانية لم تنهَر، بل إنها تعيد ترسيخ سيادتها تدريجيًا خطوة بعد أخرى.
ولا شك أن هذا الواقع يدفع النهج التدخلي الأحادي الذي تتبناه الإمارات في المنطقة نحو مزيد من العزلة على الساحة الدبلوماسية الدولية، في الوقت الذي يعزز فيه مكانة السودان بوصفه طرفًا لا غنى عنه في أمن البحر الأحمر.
وفي المحصلة، فإن تحرير بارا وأم سيالة لا يمثل مجرد تغير في السيطرة على الأرض، بل يشكل نقطة تحول من شأنها التأثير المباشر في مسار الصراع في السودان، ودفع قوات الدعم السريع إلى التمركز في موقف دفاعي، وإجبار داعميها الخارجيين على إعادة النظر جذريًا في حساباتهم الإقليمية.
وخلال المرحلة المقبلة، سيحدد ما إذا كانت القيادة العامة للجيش السوداني ستتمكن من نقل الزخم العملياتي الكبير الذي حققته في شمال كردفان إلى حدود دارفور ومحاور الإمداد الرئيسية، ليس فقط مدة الصراع، وإنما أيضًا المعايير الجديدة لتوازن القوى الجيوسياسي بين إفريقيا جنوب الصحراء والقرن الإفريقي.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











