ترك برس

تناول مقال في جريدة الرياض السعودية، للكاتبة منى العليان، اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مركزا على دلالاتها الأمنية والاستراتيجية، باعتبارها خطوة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي نحو بناء شراكة أوسع في مجالات الردع وتطوير القدرات الدفاعية وتوطين المعرفة والتقنية.

توضح الكاتبة أن الاتفاقية لا تمثل تحولًا في تحالفات السعودية أو بديلًا عن علاقاتها الدولية القائمة، بل تأتي في إطار تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي وحماية المصالح الوطنية ومسارات التنمية، مع التأكيد على أن الهدف الأهم لأي منظومة أمنية هو تقليل احتمالات الصراع وتعزيز استقرار المنطقة. وفيما يلي نص المقال:

في السياسة لا تُقاس أهمية الاتفاقيات بعدد صفحاتها ولا بحجم مراسم توقيعها، وإنما بما تعكسه من رؤية للمستقبل، ومن هذه الزاوية، تستحق اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أن تُقرأ باعتبارها خطوة تتجاوز حدود التعاون العسكري إلى مفهوم أوسع للأمن والاستقرار وبناء الشراكات.

جاءت الاتفاقية في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة، وتزداد فيه التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الطبيعي أن تعمل الدول على تعزيز قدراتها، وتنويع شراكاتها، وتوسيع خياراتها بما يحفظ مصالحها الوطنية.

والأمن في مفهومه الحديث، لم يعد شأناً عسكرياً منفصلاً عن بقية عناصر الدولة؛ فالاقتصاد يحتاج إلى الاستقرار، والاستثمار يحتاج إلى الثقة، والتنمية طويلة المدى تحتاج إلى بيئة آمنة تستطيع فيها الدول أن تخطط للمستقبل بعيداً عن تقلبات الأزمات.

وهذا المعنى يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى المملكة، وهي تمضي في مشروع تحول اقتصادي وتنموي واسع، وتفتح أبواباً جديدة للاستثمار والصناعة والتقنية والسياحة والخدمات اللوجستية؛ فكلما اتسعت المصالح، ازدادت الحاجة إلى حمايتها، وأصبح بناء القدرات والشراكات جزءاً من حماية المشروع الوطني نفسه.

فالدفاع في عالم اليوم لم يعد قائماً على شراء المعدات العسكرية فقط، وإنما على امتلاك المعرفة والقدرة على التطوير والصيانة والإنتاج، وكلما استطاعت الدول نقل علاقاتها الدفاعية من مفهوم الشراء إلى مفهوم الشراكة، أصبحت الفائدة الاقتصادية والاستراتيجية أعمق وأطول أثراً.

ومن المهم في الوقت نفسه ألا تُقرأ اتفاقية مكة باعتبارها بديلاً عن علاقات المملكة الدولية القائمة أو انتقالاً من شريك إلى آخر؛ فالسياسة الدولية الحديثة لم تعد تقوم بهذه البساطة على الاختيار بين طرفين.

المملكة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، وتوسيع التعاون مع تركيا وباكستان يمكن فهمه باعتباره إضافة إلى هذه الشبكة، لا إلغاءً لأي جزء منها.

فالدولة التي تمتلك علاقات متوازنة وشراكات متعددة تكون أقدر على حماية مصالحها واتخاذ قراراتها وفق أولوياتها الوطنية، والاستقلال الاستراتيجي في عالم مترابط لا يعني الاستغناء عن الآخرين، بل يعني ألا تصبح الدولة معتمدة اعتماداً كاملاً على طرف واحد.

أما أن تحمل الاتفاقية اسم مكة المكرمة فلذلك دلالته الخاصة؛ فمكة ليست مجرد مكان انعقاد، بل تحمل مكانة استثنائية في العالم الإسلامي، ولعل أفضل ما يمنح هذا الاسم معناه هو أن تتحول الاتفاقية إلى إطار يعزز الأمن والاستقرار والتعاون بين الدول المشاركة.

فالمنطقة دفعت خلال العقود الماضية أثماناً باهظة للحروب والاضطرابات، وأي منظومة أمنية ناجحة ينبغي أن تكون غايتها الأولى تقليل احتمالات الصراع وحماية فرص التنمية.

الأجدر أن نسأل: ماذا يمكن أن تضيف إلى أمن الدول المشاركة واستقرار المنطقة؟

إذا أسهمت في تعزيز الردع وتطوير القدرات، وتوطين المعرفة والتقنية، وحماية المصالح ومسارات التنمية، فإن قيمتها ستتجاوز حدود الاتفاق العسكري إلى معنى أوسع.

وتعكس اتفاقية مكة جانباً من التحول الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقاربة المملكة لعلاقاتها الدولية، حيث تتكامل التنمية الاقتصادية مع بناء القوة وتعزيز الشراكات التي تخدم المصالح الوطنية وتدعم استقرار المنطقة.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!