يوسف كابلان – يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

أدّى اتفاق مكة، فجأة، إلى اخضرار الآمال من جديد.

كانت هناك اتفاقات مماثلة قد خُطِّط لها من قبل، لكنها انتهت بالفشل، بل وبالفشل الذريع.

فما الذي جعل هذه المرة مختلفة، بحيث جعلتنا نقول: لعلّ هذه المرة نجحت؟

العالم كلّه مرتهن للغرب، والعالم كلّه محروم من ذاته!

أودّ، قبل كل شيء، أن أذكّر مرة أخرى بما يلي: لا توجد في العالم دولة يمكننا القول إنها مستقلة حقاً بالمعنى الحقيقي للكلمة. وأنا أتحدث هنا عن المجتمعات الكبرى التي صنعت التاريخ.

فهل يمكننا القول إن الصين وروسيا واليابان دول مستقلة؟

جزئياً.

لا توجد على وجه الأرض دولة مستقلة ذهنياً وثقافياً.

لقد اجتاحت الحضارة والثقافة الغربيتان العالم بأسره، وأخضعتا جميع الحضارات والثقافات لهيمنتهما. فالصين تمثل تحدياً علمانياً ـ رأسمالياً لأمريكا. لكنه تحدٍّ من داخل الرأسمالية نفسها. والصين لا تطوّر تحدياً، لا إبستمولوجياً ولا اقتصادياً، انطلاقاً من الحضارة والثقافة الصينيتين.

العالم كلّه مرتهن للغرب، والعالم كلّه محروم من ذاته ومن عالمه الخاص.

ويمكنني أن أوجز بهذه العبارة، بوضوح وبشكل لافت، حالة العمى المعرفي والاستعباد الوجودي التي يعيشها العالم.

لقد تحوّل تحدي الحداثة إلى هجوم فعلي وفلسفي في آن واحد، يقضي على شروط وإرادة الوجود والحياة والمقاومة لدى جميع الأديان والحضارات والثقافات الأخرى. وقد لخّص فيلسوف التاريخ أرنولد توينبي هذا الوضع قائلاً: «لقد قضينا على 16 حضارة من أصل 26، وحوّلنا 9 منها إلى أحافير».

كما نالت الحضارة الإسلامية نصيبها من الهجوم المدمّر للحضارة الغربية، التي لا تمنح أحداً حق الحياة والوجود؛ فاستُعمر العالم الإسلامي ونُهب. وأُسقطت الخلافة العثمانية، ومُحيت الدولة العثمانية من التاريخ بفعل ممارسات الاتحاديين الانقلابيين الأغبياء والخونة في الداخل.

العالم السني تفتّت، وفُتح الطريق أمام التشيّع...

مع إيقاف العثمانيين، جرى تمزيق العالم الإسلامي إرباً إرباً، وحُكم وفق استراتيجية «فرّق تسد»، ونُهبت موارده الطبيعية. وتحول حكام الدول الإسلامية السبع والخمسين إلى حكام دمى يجري التحكم بهم وتوجيههم عن بُعد. وفي هذه الأثناء، استعر الصراع بين القبائل والمشارب والمذاهب...

وخلاصة القول، لا يوجد مكان اسمه «العالم الإسلامي». فالعالم الإسلامي يعيش في العبودية منذ قرنين. إنه ليس عالماً شكّله الإسلام، بل شكّله الاستعماريون.

وهكذا هو الحال منذ قرنين، ولا سيما منذ إسقاط الدولة العثمانية.

أُوقفت الدولة العثمانية، ووُضعت إيران الشيعية في الجغرافيا العثمانية، ولا سيما في شبه الجزيرة العربية، وزُرعت بذور الصراع الشيعي ـ السني المستقبلي الذي خطط له الاستعماريون، من خلال كبح السنّية وفتح المجال أمام التشيّع إلى أقصى حد: ففي حين لم يُسمح بقيام دولة إسلامية سنية واحدة، سُمح للشيعة بإقامة دولة إسلامية، ووُضعت الدولة الإيرانية الشيعية في الجغرافيا العثمانية!

عمليات تركيا لاختراق الحصار والاستعمار من الداخل...

لم تقف تركيا مكتوفة الأيدي خلال هذه العملية. فقد استعادت عافيتها. وخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، فُتحت جراح عميقة في الجبهة الداخلية؛ وشهدت علاقة الجيل الشاب بالإسلام انقطاعاً كبيراً. لكن تركيا أحدثت ثورة في السياسة الخارجية والصناعات الدفاعية، وأنجزت في ما يقارب عشر سنوات قفزة كان يمكن أن تستغرق قرنين.

وللمرة الأولى، بدأت الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية والاستخبارات تكتسب طابعاً محلياً، وتنتقل إلى أيدي القوى الوطنية. وكانت تركيا ستخترق كارثة الاستعمار من الداخل عبر الالتفاف عليه من الخارج. فقد كان الحصن قد سقط من الداخل، وكانت البلاد قد خضعت للاستعمار الثقافي. وبعبارة أخرى، لم تكن البلاد محتلة فعلياً من الخارج، بل كانت محتلة ذهنياً من الداخل.

وكان بإمكان تركيا أن تخترق فخ شبه الاستعمار و/أو استعمار الذات للذات، عبر الالتفاف عليه من الخارج. وكان الطريق إلى ذلك يمر عبر تعزيز القوة في الصناعات الدفاعية والاستخبارات والسياسة الخارجية.

في الداخل، فُرضت العلمانية على عنق المجتمع كما لو كانت قيداً، وكأنها حبل خانق التف حول رقبة الأمة إلى درجة جعل مجرد اقتراح تغييرها أمراً غير قابل حتى للطرح: كانت الأرض تُحرث بأيدي الآخرين. وكان أطفالنا يُنتزعون من بين أيدينا. وكانت البلاد واقعة تحت احتلال ثقافي وذهني أشد مما كان يمكن للمستعمرين أنفسهم أن يفعلوه: كانت لغتها ومعتقداتها وتاريخها وثقافتها تُمحى، وكان المجتمع يُحوَّل إلى مجتمع منزوع الهوية والوعي.

وبعد جيل واحد، كان من الممكن أن تُنتزع البلاد من بين أيدينا من دون حرب.

لقد فُرضت على هذا المجتمع، من أعلى، ثقافة غريبة وعقلية غريبة.

كان هناك من يأخذ أطفالي من بين يدي وهم مسلمون، ثم يعيدهم إلينا بلا إيمان، ملحدين أو ربويين، غرباء أولاً عن وطنهم وإنسانهم وثقافتهم وتاريخهم، ثم أعداءً لها.

والجيل الذي ينكر ذاته، لا بد أن ينتهي به الأمر إلى الانتحار.

إن مسيرة الفناء هذه، التي بدأت في عهد التنظيمات على شكل الشك في الذات، استمرت مع الجمهورية، بحسب تعبير أحمد حمدي طنپنار، بوصفها إنكاراً ثقافياً، وكان لا بد أن تنتهي، في نهاية المطاف، بانتحار ثقافي.

اتفاق مكة: إعلان إرادة وإمكانية للتعافي والتوحّد

في هذا السياق والظرف المعقدين، بدأت تدخلات تركيا التي انطلقت من الخارج نحو الداخل تؤتي ثمارها. وكان أحد أبرز هذه الثمار على المستويين الإقليمي، بل وحتى العالمي، اتفاق مكة.

وبهذا أكون قد لخّصت المسار السياسي والثقافي والفكري الذي قاد إلى اتفاق مكة.

إن القول إن اتفاق مكة هو نتاج كامل لإرادة مستقلة للدول الثلاث، يعني عدم معرفة طبيعة العالم الذي نعيش فيه، وعدم إدراك حقيقة أن العالم الإسلامي ليس مستقلاً.

فهل اتفاق مكة مشروع أمريكي؟

لا يمكننا أن نجيب عن هذا السؤال بـ«نعم» قاطعة أو بـ«لا» قاطعة.

لكن يمكننا أن نقول على نحو حاسم ما يلي: إن اتفاق مكة هو، قبل كل شيء، مؤشر على أن الدول الثلاث الأكثر مركزية في الجغرافيا الإسلامية المركزية بدأت أخيراً تمسك بخيوطها بأيديها.

وهو مشروع تدعمه، بل وربما مهّدت له، أمريكا ترامب، لأنه يهدف إلى وقف إسرائيل ويؤدي هذه الوظيفة.

أسأل الله أن يُبطل مخططات قوى الشر الشيطانية، وأن يردّ كيدها إلى نحورها.

والسلام.

 

عن الكاتب

يوسف كابلان

كاتب في صحيفة يني شفق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس